تاريخ النشر - 31-01-2026 06:08 PM عدد المشاهدات 8 | عدد التعليقات 0
الأردن .. وفرة إعلامية بلا بوصلة وفراغ كبير بين الخبر والرأي العام

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
عند قراءة المشهد الإعلامي في الأردن من زاوية رقمية بحتة، تبرز مفارقة لافتة إذا ما وُضعت الأرقام في سياقها السكاني، ففي بلد لا يتجاوز عدد سكانه 11 مليون نسمة، تشير البيانات الرسمية إلى وجود نحو 1000 صانع محتوى، و6,573 شركة تسويق وإعلان، إضافة إلى 40 محطة إذاعية مرخّصة، و15 محطة بث فضائي، و148 موقعًا إلكترونيًا إخباريًا مرخّصًا، وهي أرقام مرتفعة نسبيًا عند احتسابها كنسبة إلى عدد السكان.
من الناحية النظرية، يفترض أن تخلق هذه الكثافة الإعلامية بيئة غنية بالمعلومة، وسريعة في التصحيح، وقادرة على سد أي فراغ معلوماتي قبل أن تتحول الشائعة إلى رواية عامة، إلا أن الواقع يكشف عكس ذلك، إذ ما تزال فجوة الخطاب قائمة، وما تزال الشائعة قادرة على الانتشار والتأثير، رغم هذا الحضور الإعلامي المكثف.
وتشير قراءة تحليلية إلى أن المشكلة لا تكمن في قلة الوسائل، بل في غياب التناسب بين الكم والدور، فوجود هذا العدد من المنصات وصنّاع المحتوى على رقعة سكانية محدودة نسبيًا، لم يُترجم إلى خطاب أوضح أو مصارحة أعمق، بل أفضى أحيانًا إلى تشظي الرسائل وتعدد الروايات.
ويزداد هذا الخلل وضوحًا عند المقارنة مع دول إقليمية ذات كثافة سكانية أعلى، حيث ورغم اتساع الجمهور وتعقيد المشهد، تبدو بعض التجارب أكثر قدرة على إنتاج خطاب مباشر، أو على الأقل أكثر وضوحًا في تحديد المصدر والرواية الرسمية، في المقابل، فإن وفرة الإعلام في الأردن لم تمنع الارتباك، بل أحيانًا زادته.
كما أن انتقال 5 محطات إذاعية فضائية إلى الفضاء الرقمي يعكس تطورًا تقنيًا مهمًا، لكنه لا يجيب عن السؤال الجوهري المتعلق بمضمون الخطاب، فالتحول الرقمي، دون تحول في أسلوب التواصل والمصارحة، يبقى تغييرًا في الوسيلة لا في الجوهر.
وتكشف المقارنة الإقليمية أيضًا أن الدول التي نجحت نسبيًا في تحجيم الشائعات لم تفعل ذلك عبر زيادة عدد المنصات، بل من خلال خطاب واضح وسريع، وتحديد جهة مسؤولة عن المعلومة، ما يحدّ من مساحة الاجتهاد والتأويل.
في الحالة الأردنية، يظل المواطن أمام مشهد إعلامي كثيف، لكنه يفتقر أحيانًا إلى الشرح والسياق، فالسؤال لم يعد: أين الخبر؟ بل: أين التفسير؟ وأين المصارحة؟ وحين لا يجد المواطن إجابة، تتحول الشائعة إلى بديل سهل وسريع.
فيما لا تعكس أزمة الشائعات ضعفًا في البنية الإعلامية، بل خللًا في معادلة الإعلام مقابل عدد السكان مقابل الخطاب، فالإعلام في الأردن وفير عددًا، لكنه لا يزال مطالبًا بأن يكون أوضح دورًا، وأقرب للرأي العام، وأكثر جرأة في المصارحة.
وبذلك فإن سد فجوة الشائعات لا يبدأ من إضافة منصات جديدة، بل من إعادة ضبط الخطاب العام، بحيث يكون بحجم الأرقام، وبمستوى توقعات مجتمع صغير نسبيًا، لكنه شديد الحساسية تجاه المعلومة.