-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 27-12-2025 12:03 PM     عدد المشاهدات 4    | عدد التعليقات 0

الأردن يعيد هندسة الجنوب السوري برؤية استخبارية جديدة

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون السياسية
لم يكن تسليم الجيش الأردني ملفًا استخباراتيًا عالي الحساسية إلى وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة إجراءً بروتوكوليًا أو رسالة مجاملة سياسية، بل خطوة مدروسة جاءت في سياق انتقال عمّان من مرحلة التحذير والتقييم إلى مرحلة الفعل المباشر، فالملف، الذي تضمّن معلومات دقيقة عن شبكات تهريب ومجموعات مسلحة خارجة عن القانون، عكس امتلاك الأردن صورة ميدانية متكاملة عمّا يجري في الجنوب السوري، وأعلن بوضوح أن مرحلة التعامل المرن مع الفوضى على الحدود الشمالية قد انتهت.

وأظهرت التقديرات الاستخبارية الأردنية أن نشاط التهريب لم يعد نشاطًا إجراميًا تقليديًا، بل تحوّل إلى شبكة مركّبة تجمع بين السلاح والتكنولوجيا والوظيفة السياسية. فقد كشفت المعطيات عن استخدام طائرات مسيّرة، ووسائل تمويه متقدمة، بل وأساليب بدائية مطوّرة كطيور الحمام، في دلالة على وجود خبرات منظمة تنظر إلى الجنوب السوري بوصفه بيئة قابلة للاستثمار الأمني طويل الأمد، لا مجرد ممر عابر.

وبناءً على ذلك، أعادت القيادة الأردنية صياغة تقدير الموقف، ليس انطلاقًا من سؤال ضبط الحدود فحسب، بل من تساؤل أعمق يتصل بهوية الأطراف المستفيدة من استمرار الفوضى، هذا التحول في زاوية المقاربة نقل الجنوب السوري من خانة الملف الأمني القابل للاحتواء إلى خانة التهديد الاستراتيجي المباشر للأمن القومي الأردني.

وفي سياق ترجمة هذا التقدير إلى تحرك عملي، حمل الأداء الأردني رسائل إقليمية متعددة الاتجاهات. فإلى إيران، أوضح الأردن أن استخدام شبكات التهريب كأدوات نفوذ غير مباشر أو كقنوات ضغط لن يمر دون كلفة أمنية واضحة. وإلى إسرائيل، جاءت الرسالة بأن الجنوب السوري ليس مساحة مفتوحة لإدارة الفوضى أو الإبقاء عليها رخوة بما يخدم توازنات مؤقتة على حساب الاستقرار الأردني.

وبالتوازي، وُجّهت رسالة صارمة إلى تنظيم داعش وبقاياه، مفادها أن الطابع الاستباقي للتحرك الأردني، القائم على معلومات دقيقة ورصد استخباري معمّق، يؤكد أن أي محاولة لإعادة التموضع أو استغلال الفراغ الأمني ستُواجَه بضربات مباشرة قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي.

وعلى هذا الأساس، تعكس الإجراءات التي دخلت حيّز التنفيذ تحولًا واضحًا في العقيدة الدفاعية الأردنية، من الاكتفاء بضبط الحدود إلى استهداف مصادر التهديد في عمقها، عبر مزيج من العمل الاستخباري البشري والفني، والردع الميداني، والتفكيك المنهجي للشبكات، ومراقبة التحولات في آليات عملها. وهو نهج يقوم على منع الخطر قبل تشكّله، لا احتوائه بعد انفجاره.

سياسيًا، أعاد هذا التحول الأمني رسم معادلة العلاقة مع دمشق، واضعًا إياها أمام واقع جديد: ضبط الجنوب لم يعد خيارًا قابلًا للتأجيل، وأي فراغ سيادي سيقابله تحرك أردني مباشر لحماية الأمن القومي. وفي هذا الإطار، بدا تسليم الملف الاستخباراتي بمثابة رسالة أخيرة تسبق الفعل، ولا تُلغي احتمالاته.

جدير بالذكر أن ما يجري على الحدود الشمالية للأردن يتجاوز كونه مواجهة مع شبكات تهريب، ليشكّل إعادة رسم لقواعد الاشتباك في الجنوب السوري، فقد تحرّك الأردن بعقل استخباري محسوب، وترجم رسائله بأدوات ميدانية واضحة، ليؤكد أن هذه الجبهة لم تعد هامشية، وأن عمّان اختارت أن تكون لاعبًا فاعلًا ومباشرًا في معادلة الأمن الإقليمي، لا مجرد متلقٍ لتداعياتها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :