-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 08-11-2025 09:59 AM     عدد المشاهدات 1    | عدد التعليقات 0

من قصّ برومو الخصاونة إلى قصّ الحقيقة .. الهاشمية نيوز تفك الشيفرة

الهاشمية نيوز -

خاص - كتب محرر الشؤون السياسية

الخصاونة بين الحقيقة والمونتاج!

من الجملة إلى العاصفة: كيف كشف برومو "قصص" أزمة الإعلام وفهم السلطة في الأردن!

لم تكن جملة الدكتور بشر الخصاونة " مدير المخابرات أقوى من رئيس الوزراء" مجرد عبارة عابرة في برومو تلفزيوني، بل تحولت إلى شرارة جدل عاصف أعادت فتح ملفات معقدة تتقاطع فيها حدود الإعلام والسياسة والأمن والولاية العامة.

لكن ما جرى لم يكن انعكاسًا لمضمون المقابلة الحقيقي بقدر ما كان نتيجة مباشرة لخلل مهني فادح ارتكبته الجهة الإعلامية المنتجة لذلك البودكاست ، وفضح في الوقت ذاته هشاشة البنية الإعلامية الأردنية في التعامل مع المضمون السياسي الرصين، قبل أن يُسلط الضوء على عمق الأزمة في فهم علاقة السلطة التنفيذية بالأجهزة السيادية في الدولة الأردنية.

من حيث الشكل، ارتكب معدّو البرومو سقطة مهنية مكتملة الأركان، إذ جرى اقتطاع عبارات من مواضع مختلفة وإعادة تركيبها على نحو يصنع سياقًا جديدًا بالكامل، لم يكن موجودًا لا في السؤال ولا في إجابة الخصاونة، هذا ليس "إجتزاءًا" بسيطًا، بل هو ما يصنّف قانونيًا وأخلاقيًا كتضليل متعمّد، يتجاوز حدود الخطأ البشري إلى حدود الخداع المهني المقصود.

في العمل الإعلامي، هناك حدود دقيقة بين الاختصار والتزوير، بين الإيجاز والتحريف، انما ما حدث هنا لم يكن خطأ في المونتاج، بل عبث في المعنى ذاته، مسّ جوهر الثقة بين الجمهور والمصدر، وعندما تتحول أدوات السرد الإعلامي إلى وسيلة لإعادة إنتاج الواقع بشكل مزيف، فإننا أمام أزمة لا تتعلق ببرنامج أو حلقة، بل بضمير المهنة نفسها.

في الأردن، كما في أي دولة تحترم مؤسساتها، لا يمكن تمرير تلاعب كهذا تحت ذريعة "الجذب الاتصالي" أو "التسويق البرامجي"،فالمهنية ليست ترفًا، بل هي ضمانة الاستقرار والسلم الإعلامي، التلاعب في الكلام المنسوب إلى رئيس وزراء سابق ليس خبطة إعلامية، بل فخ أخلاقي وسياسي يهدد صورة الإعلام الوطني ويزرع فتنة بين المؤسسات وحتى الدول .

لكن الخلل لا يقف عند حدود تلك الوسيلة وحدها، بل في واقع الحال الذي فجّر ردود الفعل الشعبية والإعلامية عقب بث البرومو والذي كشف فراغًا أوسع في المشهد الإعلامي المحلي.

لقد باتت منصاتنا في معظمها تعتمد على "النقل" لا "التحقق"، وعلى "التداول" لا "التحليل"، تغيب فيها غرف الأخبار الحقيقية، وتحضر بدلاً منها عقلية "السبق" و"الترند" و"المصدر المجهول".

لم يُكلّف كثير من الوسائل أنفسهم عناء الاستماع الكامل للمقابلة، أو مراجعة السياق قبل إطلاق الأحكام، وما لبثت الشاشات والحسابات أن امتلأت بتأويلات وانفعالات مبنية على مقطع مبتور، دون أي مساءلة مهنية حول أصل المادة أو صحتها.

وهنا يتجلى أخطر ما في المشهد الإعلامي الأردني اليوم: ثقافة الاستسهال التي حلّت محلّ ثقافة التمحيص، والإعلام الذي يفترض أن يكون عين الحقيقة، صار مرآة مشوشة تعكس الانفعال لا الفهم، والاتهام لا التحليل.

أما على مستوى المضمون، فحديث الدكتور بشر الخصاونة نفسه، بعيدًا عن أي فبركة أو اجتزاء، يستحق قراءة متأنية لا انفعالًا عابرًا.

حين يتحدث رئيس وزراء سابق عن ميزان القوة داخل الدولة، فهو لا يقدّم مقارنة بين أشخاص أو مناصب، بل يشير إلى معادلة أعمق تتعلق بمفهوم الولاية العامة وقدرة من يتولاها على ممارستها فعليًا، ففي الأنظمة الدستورية الراسخة، القوة ليست صفة تمنح، بل ممارسة تستمد شرعيتها من الكفاءة والثقة والقدرة على القرار.

فإن قال رئيس وزراء إن مدير المخابرات أقوى منه، فذلك لا يعني تغول الأجهزة بقدر ما يعني ضعف الحكومة في ممارسة سلطتها كما يجب.
إنها إشارة إلى خلل في ميزان المسؤولية، لا في بنية الدولة.

النظام الأردني قائم على توازن مؤسساتي دقيق:
الملك يوجّه، الحكومة تدير، والأجهزة تحمي، وحين يختل هذا التوازن، فالمشكلة لا تكون في قوة المخابرات، بل في هشاشة الأداء السياسي الذي يفتح الفراغ أمام غيره ليملأه، وهنا يصبح حديث الخصاونة، في عمقه، نقدًا ذاتيًا لواقع الحكم والإدارة، أكثر من كونه طعنًا في منظومة الدولة أو تفاضلًا بين سلطاتها.

القوة في الدولة الأردنية لا تُستعار، ولا تُمنح، بل تُمارس في إطار الدستور والتوازن المؤسسي الذي أراده الملك عبد الله الثاني منذ بداية مشروع التحديث السياسي والإداري.

وفي نهاية المطاف، فإن أزمة "برومو قصص" لم تكشف فقط عن سوء نية إعلامية، بل عن عطب أعمق في الثقافة السياسية والإعلامية بما نُشر وكيف فهُم وتم تداوله.

فما بين المونتير الذي فبرك السياق، والإعلام الذي نقل دون تحقق، والمتابع الذي حكم دون فهم، ضاعت الحقيقة وسط ضجيج الترند.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :