تاريخ النشر - 11-02-2025 08:28 PM عدد المشاهدات 35 | عدد التعليقات 0
النرجسية في المجتمعات العربية: آفة خفية تهدد العلاقات والمؤسسات

الهاشمية نيوز -
كتب الدكتور هاشم الحمامي
النرجسية ليست مجرد صفة شخصية، بل هي اضطراب نفسي قد يكون له تأثير مدمر على المجتمعات إذا تفشى بين الأفراد، خاصة في المناصب الإدارية والمؤسسات الحيوية. تكمن خطورة النرجسية في أن المصابين بها يرون أنفسهم محور الكون، ويرفضون الاعتراف بإنجازات الآخرين، مما يدفعهم لمحاربة أي شخص مبدع يرون فيه تهديدًا لمكانتهم. وفي المجتمعات العربية، حيث يلعب النفوذ والعلاقات دورًا كبيرًا في الترقي الاجتماعي والمهني، أصبح النرجسيون قوة معرقلة تعيق التطور وتعرقل الإبداع.
والنرجسية اضطراب نفسي يتجلى في الشعور المفرط بالأهمية الذاتية، والحاجة المستمرة للإعجاب، وانعدام التعاطف مع الآخرين. وعندما تتسلل هذه الصفات إلى بيئة العمل والمجتمع، تتحول المؤسسات إلى ساحة للصراعات الشخصية، حيث يتم إقصاء الكفاءات لحماية مصالح النرجسيين.
وفي العالم العربي، تعاني العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة من وجود شخصيات نرجسية في مواقع القيادة، ما يؤدي إلى انتشار الفساد الإداري وتعطيل الكفاءات. فبدلاً من تشجيع الإبداع، نجد أن أصحاب الأفكار الجديدة والمشاريع الطموحة يتعرضون لمحاولات تهميش وإقصاء. النرجسي لا يرى في المبدع زميلًا أو شريكاً في النجاح، بل خصماً يجب سحقه حتى لا يتفوق عليه.
هذا السلوك لا يقتصر على المؤسسات فحسب، بل يمتد إلى المجتمع ككل. فالشخصيات النرجسية تعزز ثقافة الاستبداد وإقصاء المخالفين، مما يعرقل أي محاولات للإصلاح والتقدم. وكما أن الحركات الهدامة تسعى إلى زعزعة الاستقرار وتعطيل التنمية، فإن النرجسيين يؤدون دوراً مشابهاً عبر خلق بيئة عدائية تمنع أي تقدم حقيقي. لذا، يمكن اعتبار النرجسية بمثابة "الطابور الخامس" الذي يعمل بصمت على تدمير أسس التطور والنهضة.
إن المؤسسات التي يهيمن عليها النرجسيون غالباً ما تعاني من الفوضى وسوء الإدارة، لأن هؤلاء الأشخاص يركزون على تعزيز صورتهم الشخصية بدلاً من العمل على تحقيق الأهداف المؤسسية. يبرعون في خلق المؤامرات والدسائس لإضعاف المنافسين، ويفضلون إحاطة أنفسهم بأشخاص غير أكفاء لضمان استمرار سيطرتهم. والنتيجة هي بيئة عمل غير منتجة، تُحبط فيها الطاقات وتُهدر فيها الكفاءات.
في المقابل، نجد أن الموظف الفاشل الذي لا يشكل تهديداً للنرجسيين يحظى بحماية ضمنية، لأنه لا يمثل خطراً على مراكز القوى داخل المؤسسة. وهكذا، يتم وأد الإبداع في مهده، ويصبح الطموح والتميز عوامل خطورة بدلاً من أن تكون محفزات للتطوير والنجاح.
ولمكافحة هذا الخطر، لا بد من اتخاذ إجراءات حاسمة لكشف الشخصيات النرجسية وفضح أساليبها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
1. وضع معايير شفافة للترقيات والتعيينات، بحيث يتم اختيار القادة والمسؤولين بناءً على الكفاءة وليس العلاقات الشخصية.
2. تعزيز ثقافة العمل الجماعي والتعاون داخل المؤسسات، لمنع النرجسيين من خلق بيئة عدائية قائمة على التنافس المرضي.
3. تشجيع بيئة صحية للإبداع والتطوير، بحيث يشعر الموظفون بالكفاءة والأمان الوظيفي بعيداً عن تهديدات النرجسيين.
4. استخدام التقييمات النفسية والسلوكية في عمليات التوظيف، لاكتشاف السمات النرجسية لدى المرشحين للمناصب القيادية واستبعادهم عند الضرورة.
5. تمكين المبدعين وحمايتهم من التعسف، من خلال منحهم فرصاً عادلة للنجاح، بعيداً عن الضغوط والمكائد.
ختاماً النرجسية ليست مجرد اضطراب نفسي فردي، بل خطر يهدد المجتمعات العربية عبر تدمير المواهب، وتعطيل المؤسسات، وعرقلة أي جهود للإصلاح والتقدم. وإذا لم يتم التعامل مع هذه الظاهرة بجدية، فسيبقى الإبداع محاصراً، وستظل الكفاءات تُحارب، مما يؤدي إلى استمرار حالة الجمود والتراجع. لذا، لا بد من التصدي للنرجسيين داخل المؤسسات والمجتمع، إما عبر ترويضهم، أو استبعادهم نهائياً من المناصب الحساسة، لضمان تحقيق مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً لمجتمعاتنا.