تاريخ النشر - 24-09-2024 09:46 AM عدد المشاهدات 17 | عدد التعليقات 0
العنقاءُ والأسطورةُ

الهاشمية نيوز - خالد عمر الجرّاد
بينما كانت شمطؤوتُ* تُنهي آخر التزاماتها المُرتبطة بوجِودها في بلادها، وهي تُحضّرُ أوراقها واستشاراتها واتصالاتها وتذكرة الطيران إلى بلاد رجب، إذ عزمت النية على أنْ تشتكيه للمرة الثانية؛ ولكن بِطريقة مختلفة؛ ليست كالمرة الأولى التي فشلت أن تسجنه بِسببها. كانت مرة حاولت فيها الشكوى عن بعد أو بطريقة إرسالها طرداً ليس بريديا؛ ولكن عبر شرطة بلديهما في بلاغ جريمة إلكترونية، والقفز فوق الأصول والإجراءات هو محاولة، لكن القانون والسلطات ليست ألعوبة بيد الهواة لأفعال الشرّ.
ردّت الشرطة بضرورة حضورها لتقديم الإفادة الخطية والتوقيع في مستند البلاغ، ومهما تطوّرت تقنيّات العصر؛ تظلّ هناك أصول لا تتغيّر ولا يمكن حذفها من تسلسل الإجراءات بسبب جوهريتها. فهي ثوابت.
تخيّلت نفسها وهي تُحضّرُ شنطة السفر وتُودّع المكان وتستعدُّ أنها العنقاءُ ذات المنقار الصلب والجناحين القويين اللذين بهما ستطيرُ لِتنقضّ في ضربة قاضية تُنهي فيها على رجب المُزعج لها بِأبوّتِه لابنتها الكبرى؛ التي إذ خطفتها منه قبلاً فهو حتى لا يُشاركها فيها؛ لا هو ولا غيره، تستهدف أنْ تُخرسه فلا يعود له لسان أو قلم أو هاتف يفحُّ به عليها في حقيقة هذه الأبُوّة. لِتنتقل إلى مرحلة حياتية جديدة لا وجود لِرجب فيها، أو على الأقلّ تدفنه أطول ما تستطيع في غياهب السجون؛ فلا تقوم له قائمة بعدها.
تخيّلاتها معقولة بعقلية التي ترى أن معيار العدالة مرتبط بحجم النفوذ والعنصرية وكثرة البكاء المصطنع وبلاغة التعبيرات؛ لا بالحقّ والأدلّة والدفاع، بينما العدالة في بلاد رجب التي عمرها جاوز القرن؛ وتعدّت عن مرحلة البلوغ إلى الرشاد والنزاهة والشفافية، لا تأخذ إلا بالوقائع والأدلة.
شمطؤوتُ؛ أو التي استهواها أنْ تُسمّي نفسها «العنقاءُ»، غرّها بُخار النفوذ؛ وهي تستهويها العطور عامة والبخور أكثر، واتصالاتها المسبقة أنتجت لها سِكّة تُرشدها إلى أين وإلى مَن تذهب ليأخذوا بيدها بالذي يلزم للانطلاق.
وبالرغم من عمق ثقافتها منذ الصِبا في الأدب والروايات والأساطير والدراسات الفلسفية وعلم الكلام، وما وصلت إليه من قدرة وخبرة ومخزون أدبيّ رفدت موهبتها التي أنبتتها طفولتها التعيسة؛ وبلاغتها التعبيرية ومهارة فروسيتها للغة العربية؛ لتُبدع قصة عشقها رجبَ في مُذكّرات على شكل رواية مُرمّزة الكلمات عند العامة؛ وخواطر وإلهامات شيّقة كتبتهم على مدار زمان الفراق الطويل، جميعها شقّت طريقها إلى الطباعة والنشر والانتشار والشهرة ولو شكلية وزائفة، لكنها لم تغصْ في بحر أسطورة العنقاء؛ أو تُدرك أن الرحلة هي إلى «فينيقيا»، وهي وإن تعلم الكثير لكنها تتلجلجُ [1] مع فُقدان خاصية الإدراك، وما أدراكَ ما الإدراكُ!
ما كانت «فينيقيا» عبر التاريخ إلا ساحة ومقبرة تحطيم الجيوش وغُزاة الحضارات الأخرى، من عنفوان مقاومة أهلها وصفة العِناد الوراثية فيهم حتى حدود الموت، وما كانت فترات احتلالها إلا حقبٍ قصيرة وانتهت؛ وظلّت لأهلها، منذ حضارة الفراعنة وما بين النهرين، مروراً بالإغريق والرومان والفرس؛ والصليبيين والتتار؛ ولا ينتظر غيره إلى آخر التاريخ إلا نسخة جديدة من تكرار الزوال الحتمي.
وما هجمة عنقاءُ أسطورةِ الجزيرة العربية الأنثى ذات العنق الطويل والثمرتين الكبيرتين والعمر المديد إلى نحو الـ540 سنة؛ ذات الجمال والقوة؛ وهي التي يُسمّوها الفينكس (Phoenix)؛ إلا إلى منتهاها فوق النخل والزيتون الفينيقيّ الشاهقة قِمَمُه إلى عنان السماء ما فوق الغيوم للاحتراق والموت في النار؛ لِيحيى من رمادها وتخرج من موتَتِها الشرنقة التي سوف ترثها وكل ما لها وتمتلك، فتحمل بقاياها إلى مذبح الشمس في «هيليوبلس» المصرية.
هي التي في «العالم الهيليني» الحارس والحامي للكنوز الخاصة في «أبولو» التي صارت «منارة شامخة»؛ لا أحلى ولا أعزّ، وفيها كتب «كلاودينيوس» أشعارَه الجميلة التي ستُغنّيها وتظلّ تردّدها في نَدمٍ وشغفٍ لا ينتهيان في خلوة موتتها الطويلة؛ في قبرها الذي ينتظرها، وقد تطول الخلوة كثيراً.
يقول الشاعر: «ما كانَ خطفُ البنتِ ينساهُ النهى/ لكنْ أُجمّعُ نقمتي إجمـالي/ هيَّا تعالي رفرِفي بِسمائِنا/ فَالرعبُ منتظرٌ وقولُ تعــالي/ عنقاءُ تبني للندامةِ عُشَّها/ تثوي إليه العمرِ في الإغفــالِ».
عنقاؤنا شمطؤوتُ؛ لم ترتكبْ غلطة أو حماقة واحدة؛ بل سلسلة حماقات مترابطة كأنها سلسلة جنزير يربط المسنّنات التي كانت «تميّز من الغيظ» ولكن لم تُنتجْ أي حركة؛ لعوائق كثيرة، وهذه الشمطأةُ هي التي أزالتها، وكأنها تنزيل سماوي «لا عوج فيه ولا أمتاً»[2]، أو هي معجزة الله ضمن الأسباب والأقدار والأحداث.
استدرجها بالتوفيق أول مرة في الإثم والخطيئة والخداع الناجح سنة 1995؛ حينما أذن لها بالضرر ووقع، وحين رفعه سبحانه منذ سنة 2021؛ استدرجها لتنقضّ بحماقة النرجسيّين سنة 2024 لِتضع بين يدي رجبٍ الأدلة التي لم يكن يحلمُ بها، ووقعت في الكمين الذي نصبه لها منذ شهور؛ ثم كَمَن ينتظرها أن تقع فيه؛
ووقــعـت فيه، في جولة جديدة من جولات الحرب الشمطؤوتية
***
* شمطؤوت هو استحداث لغوي خاص بالمؤلّف يدمج في لفظة «الشمطاء»؛ وهي العجوز من اختلط بياض شعرها الأكثر المنكوش بالقليل من السواد، مع الخاتمة «وت» التي هي للتكثير بلا حدود مثل ملكوت وجبروت ورحموت، والتصريفات اللغوية تابعة لذلك.
[1] تعريف اللجلجة: هي اضطراب في طلاقة الكلام يتميز بالتوقف المفاجئ أو التكرار اللاإرادي للأصوات والمقاطع والكلمات أو التوقف تماماً عن الكلام أو إطالة الأصوات والمقاطع.
[2] طه:107.