تاريخ النشر - 09-09-2024 10:10 AM عدد المشاهدات 14 | عدد التعليقات 0
أعلام وأقلام الوقوف على حافة الزمن ..

الهاشمية نيوز - فايزة عبد الكريم الفالح
أعائدٌ، أم مسافرٌ أنا إلى مملكة الضّاد، والمجذاف قلمي، والمِداد أبحُري، والسطور مراسيِّ... حين أبحرت بمركبي الصغير؟
في محيط الضاد الواسع المهول، الكامن باللآلئ والدرر، محيط الأدب العربي: «خليل حسين اطريِّر». وكأنّ زمن البطولة بأساطيرها وقفَ بي عند معالي البيانِ، ومقام المعاني، وبديع الحساني(1)، وترجمان المقالِ.
وحين...!
تمرُّ السُّحب الثقال في سماء الثقافة والأدب أقول: ها هو... الخير على أهله قد أقبل بحضوره، فهو منزل الأدب والثقافة، ووجهة لكلّ مَن أراد أن يتزوّد وينهل من روافده، ويتفيَّأ بظلاله الوارفة، في مواسم الشّدّة والرخاء من فكرٍ وعلمٍ ومعرفةّ، حيث لم يأتِ كلّ منها على حِدَة، ولم يكن أيّ منها بمحض الصدفة... فالعلم وليد المعرفة، والمعرفة وليدة الفكر... حيث تَنبع روافدها من خزائن العلم الوارف من لدُنِّه.
وإنّه ليس بغريبٍ أن يمتلك أدوات اللغة وبلاغتها، حين يكون ابنها البّار لها، وهي الأم الرؤوم، الحانية عليه حبّا بحبِّ، فلكلّ بحر غطاس مُحِبّ، يعلمُ جيّدا أيّ عمقٍ هو سابرٌ أعماقه، إن لم يجلب مِن أحشائهِ اللؤلؤ والمرجان، يكتفي بإشباع عينيهِ على مدّ النظر منها، كما ولكلّ بئر دالِ، إن أدلى بدلوهِ لا يملؤهُ إلا مِن غدقِ زُلال مائه، فإن وردَ سقى، وإن سقى روى. وممّا لا شكَّ فيه أنّ الدكتور «خليل حسين اطرير» هو غطّاس بحر اللغة العربيّة، لم يزرع المرجان؛ لكنّه صيّادهُ البارعُ، ولم ينفخ بأحشاءِ المحارات أجنّة اللؤلؤ؛ لكنّه الصائغ الماهر لترصيع أجمل العقود اللؤلُئيّة، من جمالِ وكمالِ، ما حباه الله مِن علمِ وثقافةِ؛ ليكون الوقوف على حافة الزمن عنده إلزاما.
وإذ بالوقوف لم يكن عاديّا، حيث لم نقف عند نصوصه الأدبيّة الشعريّة، والقصصيّة، والنثريّة، والخاطرة، والدراسات النقديّة والانطباعيّة؛ فقط لمجرَّد الوقوف، لكنّها كانت وقفة المتريّث المُتأمّل على عَتَبَةِ بوابة النهار، لكي نلج مع وُضُوحِه إلى صومعة أعماله الأدبيّة الكريمة تلك، والتي طالما تكرّم عليها بالمكوث عندها طويلا، كناسكٍ مُتعبِّد، لتخرجَ إلينا بأبهى حُلّة في يوم عيدِ، مزدانة بالحُلَلِ الضاديّة، وترف التعابير لتنساق إلى سطوره طائعة، تستظلّ ظلاله، «مراسم يضرُّجُها العشق»(2)، ليدخلنا هو بدوره نوبة صمت، رغم حضور المراسم الصاخبة في ذهن العاشق، وغيابه في نوبة عشقه ؛ لينام يقظاً على حافّة الأنين، الضارب صداه حافة المكان...، وأمام طرحه الأدبيِّ الواعي، والغوص بعمقه بقدر ما يحمل فكره مِن عمق، حيث يُحَتّم علينا العاشق الوقوف معه قسراً على حافة الزمن، مبصرين تقلُبه من وجع الغياب، متذوّقين صبره على الأنين!
عالي النسب...!
أمام علمه عالي النسب، والعراقة في الثقافة والأدب والمعرفة المُترَفة، والتي هي مردُّها في الأصل له، وما قوله عنّا ببعيد: «فنحن قومٌ إذا أردنا المعالي لا نصل إليها إلّا بما يجمعنا بتلك الأواصر، وكلما ارتقينا بالفكر والعلم وبالكلمة الضاديّة، كلما سابقنا الأمم إلى مصافِّ المعرفة». هذا بالضبط ما لمسناه في مقام الشاعر «اطرير» حين كنّا نتبع هُدى السبيل نحو منارة علمه؛ في حلكة الظلماء، في زمن التّيهِ، في عصرٍ عزّ فيه حجّ القوافل للمنارات الأدبيّة. ولكن لا بد لهذه القوافل أن تنيخ بركابها؛ إذا ما استظلّت تحت جناح غمام إبداعات الشاعر «اطرير»؛ حين اكتتبته «ترانيم النسائم والوتر»(3)، على الورقِ، حتّى امتزجت سرّا مع المطر، فكان طِيِب المقام لتلك القوافل، ووارفٌ ومُتَّكَأٌ لها، عند واحة أدبه المزهرة في كلّ وقت وحين.
من وهج الذاكرة...
وممّا لا شكّ فيه أنّ للذكريات مكانا، وهي الذاكرة التي أعزّ ما يملكه الإنسان الشاعر «خليل حسين اطرير»، ويا لذاكرة إنسان لم تخُن معه عهدا، ولم يسلبها التناسي يوما، ولا النسيان! حيث مازالت تعجّ بالذكريات، بفرحها وحزنها، بيسرها وعسرها، بتعثّرها ونجاحها، وبمرِّها وحلوها. ذكريات تتوافق مع ذاتها، وذاكرة تعاند الزمان والمكان، مازالت ترفضهما، محتلّة فلول «الظاهرية»(4) فيافيهما، ولا غيرُ كروم عنبها وتينها وزيتونها مكان يحيا في لُبّ ذاكرته، ولا طعم لزيت وزعتر على «لحن النار والزيتون»(5) يعادلان عنده؛ مثل زيت وزعتر البلاد، ومن ظلال الشوق «صباحُ البسمة الحلوةْ، صباحُ الزيت والزعترْ، عبيرُ الليلك الزاھي، وشوقُ الحَبِّ للبيدرْ، من الزيتون أرسلھا، تحيةَ سافحٍ أخضرْ، بلحنِ ھيامِ مغتربِ، على أوتار مَن كبّرْ، بلھفة ظامئٍ شوقاً، لأرضٍ مزجُھا عنبر». من حيث كان الوقوف على حافة الزمن.
تنام الغربة، والحنين يقظٌ! وخنجرُ التغريبة، مازال مغروسا في خاصرة غربته، وفؤاد أمّه خاوٍ تتبع خُطاه خوفا عليه من الانزلاق في وحل الآلام، خوفا عليه أن تعثّر، فتدوسه خطى المُهَجَّرة قلوبهم قسرا عن وطنهم «فلسطين»، فيضع الفتى قَدَميه وسط الزحام، فلا تلوموه، فالترحال دون وجهة مؤلم، ولا للتغريبة وطن ولا عنوان. لا تلوموه... فالبيت الذي كان يقيه حرّ الصيف، وبرد الشتاء قد تهدَّم، وبلدته وأمها «فلسطين» عاث فيها الغُزاة نعثا، ومروج قمحها سُلِبت من مناجل فلّاحيها غصبا، وتنّور أمّه أغرقه همجيّة المغضوب عليهم، ورغيف الخبز الساخن المُحَمَّر وجهه خجلا من يديْ أمّه ذات صباح باكر، استبدله لون الغضب وجعا وقهرا، والبارودة المُتوارثه؛ فاغرة فاهها، تشكو عوزها طاوية، «يا غربة المهالك أي الغربتين» جعلت من «الفارس فريسة»(6)...، «لا تلوموه، قد رأى منهجَ الحقِّ مُظلما، وبلادا أحبَّها رُكنُها قد تهدَّما»(7) ، فلا تلوموه...! إن وقف على حافة الزمن، يريد استرجاع المكان. لا تلوموه...!
حافيا سار على الأشواك... صامتا لو تألمَ...! حمل بعضا من أشيائه ومضى إلى «مؤاب»(8) مدرّسا، معلّما وحيدا، وفي الليل حارس لذات المدرسة، غرفتان بجانب بعضهما البعض، غرفة صف للتلاميذ، والأخرى غرفة مدير ومدرس معا، كرسيّ وطاولة، ومستودع وغرفة نوم ومطبخ في آن، أقام على جيل، أورثهم حبّ العلم والتعلم، وزرع في عقولهم معنى العصاميّة، وعندما قَدِمَ غشيمٌ، قال له ولطلًابه: «الغاشمون دمروا البيوت، حطّموا الأشجار، وأنتم تصطلون بجمر القنابل والصواريخ، لم يبق على الأرض شيء تستظلون به»... فرَدّ عليه «اطرير» ردّ المتيقّن: «نحن نستظل بالقرآن، وقدسيّة ثرى الوطن»...، بعد لأي...! حمل الأستاذ «اطرير» أشياءه ومضى... إلى سورية، أربعة عقود... درّسَ في بعض مدارسها، وخلالها أكمل دراسته الجامعيّة، حيث كان مثال الطالب والمعلم للغة العربية، وكان خير من كتب «مثالا يحتذى به»(9).
وعلى الشوك سار، حتى أَدمَت الأقَدام، وما نالَ منه الوصب أبدا، بل سارَ بكلّ عزيمة وإقدام، وداس على كلّ الصِّعاب، وما أن وصلَ بوابة الشرق آنسَ نورا، فأقتبس منه جذوة العلم، مستحوذا إجازة جامعيّة، في اللغة العربيّة من جامعة دمشق، ثمّ أحتضن دبلوما عاليا في البيان والبلاغة العربيّة، وإذ بالبيان يُشيرُ إلى أهله بالبنان...! هَلُمّوا... هَلمّوا...! إنّي أفاخر بكُمُ الدنيا والأمم؛ فأطلقوا لأكفكمُ العنان...!، وقوموا لأمر الله امتثالا واقتداءً «بالنبي محمد، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا». وإذ بالابن البارِ «اطرير» يقول: هل من مزيد...؟!، حاصدا غِلال العلم؛ معتليا درجة (الماجستير)، في قواعد النحو والأملاء في اللغة العربيّة... حتى تملَّكَ وسام شهادة الدكتوراة من جامعة (سانفورت) الأمريكية.
ولَمًا أرخى «الخريف العربي» سدوله على سورية، عاد منها مّعاندا ذاك الخريف، يحمل ربيعا يانعا بالإصرار والعزيمة، ومضى قُدُما، حيث وطنه الأردن الأشم الذي لم يجهض ابنا له، ولم يتنكّر لعروبة عربيّ قط، باسطا ربيعه زهوا لكلّ عربيٍّ، رُغُم عصف العاتيات ؛ بقيَ الأردن صامدا ولم يزل، وما أن عانق الشاعر «اطرير» سماء الأردن؛ حتى قام بإثراء ساحته علما وثقافة، وأدبا ومعرفة، فكان الجنديّ الباني لكثير من الشعراء والأدباء الشباب، الذين عقدوا راية الثقة والمعرفة له ؛ ليكون بحرا معطاء لهم، يتزوّدون من رياضه الثّريّ. إلى أن حمل نفسه دون أشيائه هذه المرة، ليكمل مسيرة عطائه تجاه أسرته. حيث المهجر، أقصى أصقاع الأرض، ليستقرٍ بهِ الحال في «السويد»، واقفا على حافة الزمن. صامتا، بل يتألم.
تبقى الكلمات...!
نعم...! هي الكلمات تدوم، ونتداولها على مرّ الأزمان، جيلا يتبع جيلا، وجيلا يتعلّم مِن جيل، شريطة أن لا تتخلّى الأجيال عن ذاك الجمال بالكلمة، ورزانة ورصانة اللغة؛ ليبقى الجمال باللغة مستمرا... مستمرا... مستمرا.
« خليلٌ»... «رغم المستحيل
أنت هو...
فأيّ قول يوفيك الثناء
نِعم المعلم... دمت مُبجّلا
جبل... وأنت فوقه لواء.
تبني الطامحين وللطامحين
صروح علم
تعلو...! فيعلو بك البناء...
منارة للسابلين...! على درب القوافي.
وللظامئين للفكر...! أنت الارتواء.
حُيّيتَ وبقيت ذخراً دائما...
فزدنا من بحرك أيّما إثراء» (10).
الهوامش:
(1) البديع الحساني: هو الشعر الحساني والحسانيون هم عرب المعقل، القادمون من أعماق الجزيرة العربية، مهد الشعر الجاهلي، عبر رحلة طويلة في الزمان والمكان، يمتد فضاؤهم من بلاد شنقيط إلى الشرق.
(2) مراسم يضرُّجُها العشق: اسم ديوان شعري، للشاعر خليل حسين اطرير.
(3) ترانيم التسائم والوتر: اسم ديوان شعري الشاعر خليل حسين اطرير.
(4) الظاهرية: بلدة يحتضنها قلب فلسطين، تتربع على وسط الدرب بين بئر السبع والخليل، وهي مسقط رأس الشاعر خليل حسين اطرير.
(5) لحن النار والزيتون: اسم ديوان شعري الشاعر خليل حسين اطرير.
(6) الفارس الفريسة: مجموعة قصصية للشاعر خليل حسين اطرير.
(7) اقتباس من قصيدة التغريبة للشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان.
(8) مؤاب: أحد أسماء مدينة الكرك، تقع في جنوب الأردن.
(9) مثالا يحتذى به: اسم قصة للشاعر خليل حسين اطرير.
(10) اقتباس من نص نثري: للشاعر الأردني كمال الضمور، يزن فيه الشاعر خليل حسين اطرير.