تاريخ النشر - 20-08-2024 10:29 AM عدد المشاهدات 11 | عدد التعليقات 0
عمّان في موعد جديد مع قدرها: مدينة يلوذ بها من تهدمت أوطانهم

الهاشمية نيوز - محمود كريشان
عمّان.. دوما وابدا.. قصة عشق يتناغم فيها، باستثنائية جميلة، الزمان والمكان والسكّان.. المدينة التي تتمتع بروح متيقّظة، تحرس أبناءها وتحميهم من غدر الشرور.. هذه الصبية الفاتنة، نمت وتطوّرت لتكون على الدوام، في كل زاوية وزقاق، مصدر جذب والهام للفن والإبداع.
عمّان وكما ورد في كتاب «عمان حكاية الناس والتلال.. عمان .. مسيرة انجاز ترسخ المدينة العصرية» الصادر عن أمانة عمان الكبرى، بأن عمان كما ذات الجاذبية الخارقة، يتنقل فيها الزمان بكل يسر واطمئنان بين العريق والحديث، في سيمفونية من الجمال تعزف الطبيعة العمّانية كما تحب الطبيعة أن تكون.. ولعمّان حكايتها مع مواطنيها، تتعدد فصولها بتعدد ألوانهم، وتمتاز ببصماتهم العريقة التي تشد انتباه الفنانين وتربكهم أحيانا، وتغريهم، في الآن نفسه، بالوصول إلى السمو الإبداعي الذي طالما تاقوا إليه..
عن الاستدامة
في عامي 2007 و 2008 عندما كان خبراء التخطيط في أمانة عمّان الكبرى يعملون على تقدير النمو السكّاني في مدينة عمّان كجزء من عملهم على المخطط الشمولي للمدينة، كانوا يتداولون رقماً افتراضياً يقدّر أن عدد سكّان عمّان سيبلغ 6 ملايين نسمة في عام 2020، في حينها قوبل هذا الرقم بالاستهجان من البعض، لكن حجة المخططين كانت أن الأردن يعيش في منطقة قلقة ولا يمكن استبعاد سيناريوهات حدوث موجات لجوء مستقبلية إلى عمّان، ولذلك يجب أن تُأخذ مثل تلك الاحتمالات بالحسبان عند التخطيط للمستقبل.
وما هي إلا سنوات قليلة، وإذ بعمّان في موعد جديد مع قدرها: مدينة يلوذ بها من تهدمت أوطانهم، هذه المرة كان اللجوء من سوريا التي غرقت في حرب أهلية طاحِنة شرّدت الملايين من السوريين، لجأت نسبة كبيرة منهم إلى الأردن.
كان العمّانيون مع نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة يقولون أن ثلاثة ملايين إنسان يعيشون في مدينتهم، لكن التعداد السكّاني لعام 2016 أظهر أن عمّان بات يقطنها 4 ملايين نسمة، إنه رقم يظهر أن تقديرات المخططين لم تكن ضرباً من الخيال.
لم تكن الزيادة السكّانية التحدي الوحيد الذي واجهته عمّان مع انتهاء العقد الأول من الألفية الثالثة، فعمّان التي تحوّلت من قرية وادعة يسري فيها سيل صغير، إلى مدينة تقترب من العالمية، أصبحت مصالحها وأحوالها متشابكة مع ما يحدث في إقليمها والعالم بشكل كبير. جلبت الطفرة النفطية التي شهدها الخليج العربي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لعمّان مشاريع الاستثمار العقاري الكبيرة، في تلك الفترة سرت في المدينة روح التوسع والبناء من جهة، ولكن من جهة أخرى برزت أصوات من المجتمع الأردني العمّاني تُحذر من تأثير مشاريع الأبراج ومراكز التسوق وغيرها على هوية المدينة ناهيك عن ضغطها على البُنى التحتية وزيادة كثافة السيارات.
لكن الكثير من أحلام البناء السريع تبدّدت عندما دخل العالم أزمته الاقتصادية عام 2008 والتي أثرت بشكل واضح على قُدرة المستثمرين على إنجاز مشاريعهم أو حتى البدء فيها. ولأول مرة في تاريخها شهِدت عمّان وجود ورش بِناء ضخمة متوقفة أو بطيئة التقدّم. وفي أكثر من موقع لم يتبق من حُلم المستثمرين أكثر من حُفر عميقة.
التوسع العمراني
ومع أن الأزمة الاقتصادية العالمية أدت إلى تراجُع الاستثمار العقاري، إلا أن التوسع العمراني في عمّان استمر، لقد امتدّ عُمران عمّان في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين شمالاً حيث بدأت البيوت والعمارات تتكاثر في مُحيط شارع الأردن مثل أحياء شفا بدران، وغرباً في أحياء مثل الكرسي ودابوق، وجنوباً في أحياء مرج الحمام والمقابلين واستمر التلاحُم المديني شرقاً مع مدينة الزرقاء، وأدى فتح طُرق جديدة، مثل الطريق الممتد من عبدون إلى حي الياسمين جنوباً وفتح مداخل جديدة من طريق المطار إلى قلب عمّان، إلى تغييرات مهمة في حركة المدينة سيكون لها تأثيرها على الامتداد العُمراني ونمو المدينة المستقبلي.
وفي أواسط العقد الثاني، بدأت منطقة العبدلي بالبروز بشكلها الجديد، بعدّة أبراج شاهقة و«بوليفارد» تجاري يُحاكي تجربة التسوق في المدن الأوروبية، ومع أن مشروع العبدلي لم يُستكمل بعد في أواسط العقد إلا أن منطقة العبدلي الجديدة قد غيرت أفق المدينة، كما أن شكل التخطيط العُمراني الصديق للمشاة داخل العبدلي وإقامة المهرجانات التجارية التجريبية (مثل سوق عيد الميلاد المجيد) يمكنهما أن يقدما بعض الدروس التي ستستفيد منها عمّان حضرياً.
عمرانياً، شهِدت عمّان أيضاً بعض التغيير في قلبها، قد يكون أبرزها إعادة تصميم ساحة المدرج الروماني والساحة الهاشمية، حيث أُزيلت الحديقة التي كانت أمام المدرج وتم استبدالها بساحة مرصوفة كبيرة، أما الساحة الهاشمية فقد تم إعادة تصميمها بمظلات وعناصر معمارية حديثة، وشهد شارع الملك فيصل ومحيطه تحسينات مهمة في الأرصفة في محاولة لاسترجاع الألق لوسط عمّان القديم.
أما على الطرف الشمالي الغربي من عمّان، فقد برز مسجد الملك الحسين بن طلال الذي بُني عام 2005 كمَعلم مِعماري مميّز على تلة تطل على حدائق الحسين والمكاتب الملكية الجديدة وأحياء دابوق وخلدا، هذا المسجد يُعتبر بمثابة مسجد الدولة الأردنية الثالث، بعد المسجد الحسيني في وسط عمّان ومسجد الملك عبدالله في العبدلي، وإذ كان المسجد الحسيني قد بُني بالطراز العثماني السائد في بداية القرن العشرين، ثم لحقه بعد ستة عقود مسجد الملك عبدالله بأسلوب معماري يغلب عليه التحديث، فقد جاء طراز مسجد الحسين بأسلوب يميل إلى العمارة الإسلامية التقليدية، وتبدو مآذنه الأربعة ذات المسقط المربّع متأثرة بعمارة المغرب.
ولعلّ من أبرز أوجه التغيّر في عمّان العقد الثاني من الألفية الثالثة والرمز العمراني الأكثر دلالة على نمو العاصمة الأردنية وازدياد ارتباطها عالمياً هو مطار الملكة علياء الجديد، ففي عام 2013 دُشّن هذا المطار الجديد وأصبح لعمّان بوابة جوية غاية في الحداثة والتطور، تترك انطباعاً قوياً في كل من يقصد الأردن أو يغادر منه جواً، مطار الملكة علياء القديم خدم عمّان والأردن لمدة ثلاثين عاماً، لكنه ومع تسارع حركة السفر أضحى عاجزاً عن استيعاب أعداد المسافرين، ومع أن مباني المطار القديمة تم هدمها لتوسعة مباني المطار الجديد، إلا أن الجديد بقِبابه الخرسانية الضخمة، وانفتاح مساحاته وروحه الحداثية وامكانيات توسّعه، فقد شكّل إضافة جريئة على معالِم عمّان العُمرانية ورمزاً يمثّل التطلّعات المستقبلية للعاصمة وركناً من أركان البنية التحتية الاقتصادية للمملكة.