-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 13-08-2024 10:11 AM     عدد المشاهدات 22    | عدد التعليقات 0

18 كغم

الهاشمية نيوز -
إسماعيل الشريف

كنت أبحث عن ابني. لقد سبقني بالوضوء وذهب ليصلي، كنت خلفه بلحظات، ثم حدثت الانفجارات. بحثت عنه في كل مكان لساعات. أخبرتهم عن شكله وعمره، فأعطوني كيساً يحتوي على 18 كيلو من اللحم، وقالوا لي «روح ادفنه». - شهادة أب من مجزرة الفجر.

استيقظ الأب كعادته كل يوم على صوت المؤذن الشجي القادم من أعماق المدرسة، تلك المدرسة التي ضاقت بجدرانها على مئات النازحين من كل ركن في غزة. كان صباحاً غزياً يحمل في طياته رائحة الموت والبارود، ولكنه بالنسبة لهم بات اعتيادياً. بيديه الحانيتين، هزّ ابنه بلطف، فهو في نظره لا يزال صغيره الذي كان يهدهده في مهده. استيقظ الفتى وقفز من فراشه بحيوية، وعندما التقت عيناه بعيني والده، كانتا تنطقان بصمت «أنا مثلك، وأنت مثلي الأعلى». غادر الفتى إلى الوضوء، ووجهه مشرق بنور الإيمان.

لم يدرك الأب لماذا غفلت عيناه للحظة، لكنه سرعان ما استجمع نفسه، فخرج ليتوضأ بخطوات واثقة وهادئة، إذ لم يعد هناك ما يزعزع سكينته بعد كل ما رأته عيناه من أهوال. ومع كل نداء من المؤذن، كان قلبه يزداد طمأنينة وسكينة، فغاص في بحر من الذكريات، محاولاً أن يحصي شهداء أهله وأحبته. بدأ العد، وتجاوز العشرين، ثم استسلم لعجزه عن المواصلة. فجأة، تذكر أنه تأخر عن الصلاة، فلعن الشيطان ونتنياهو، واستجمع قواه ليمضي بخطوات أسرع نحو المصلى.

لكن بين غمضة عين وانتباهها، انقلب كل شيء رأساً على عقب. كان المصلون في ركوعهم، وقد خشعت القلوب، وأُسبِغت السكينة على المكان، حين دوى انفجار مزلزل، ارتجت له الأرض كأنها في لحظة القيامة، وانفجرت الجدران لتتحول إلى سيل هادر من الشظايا المتناثرة. في لمح البصر، وجد الأب نفسه ملقى بين الأنقاض، وقد أحاط به الحطام من كل جانب، وأغلقت أذنيه قوة الانفجار، بينما امتلأت رئتاه بغبار الموت الذي تسرب إلى كل مسامه. لكن وسط هذا الجحيم، لم ينبض قلبه، ولم يشغل عقله إلا شيء واحد: ابني!

انتفض الأب من بين الركام بجنون، وكأن في جسده قوة لا تعرف الضعف، وعيناه تشتعلان برعب لا يوصف. بحث بنظراته المذعورة بين الأشلاء الممزقة والدخان الذي يخنق الهواء. كانت الصرخات تعلو من كل جانب، وأنين المصابين يطغى على كل شيء، لكنه لم يسمع سوى صوت قلبه المنكسر، وهو يصرخ باسم ابنه وسط هذه الفوضى العارمة. وتفحص كل شظية وكل جثة، ورفع الأنقاض بيدين ترتعشان، ولسانه لا يعرف سوى كلمتين: يا رب، يا رب.

مرّ وقت بدا وكأنه دهر، لم يتوقف فيه الأب عن البحث، يصرخ في وجه كل من يراه، يسألهم عن ابنه، يصف ملامحه وملابسه، كيف يمكن لشاب أن يختفي هكذا؟ ومع مرور الوقت، وقد استنفدت قواه وفقد الأمل، اقترب منه رجل، يحمل كيساً صغيراً أزرق اللون. نظر الأب إلى الكيس بتردد، وكأن قلبه يرفض أن يرى الحقيقة. أشاح بوجهه بعيداً، خائفاً أن يكون هذا الكيس حاملاً النهاية التي لا يريد تصديقها. لكنه، وبيدين مرتعشتين، تناول الكيس ببطء، وكأن قلبه يأبى أن يصدق ما تراه عيناه. فتح الكيس ببطء، ثم أغلقه بسرعة، وكأن الهروب من الواقع ممكن. ثم فتحه مجددا ببطء، ليجد أمامه 18 كيلو من اللحم الممزق... كل ما تبقى من ابنه.

انعقد لسانه، وجف الدمع في عينيه، فالصدمة كانت أكبر من أن يستوعبها عقله، أو يحتملها قلبه. أمسك بالكيس بيدين مرتجفتين، ورفعه ببطء كما لو كان يحمل ابنه طفلاً رضيعاً، ولكن هذه المرة لم يكن بين يديه جسدٌ حي، بل مجرد أشلاء متناثرة. كانت اللحظات ثقيلة، وكأن الزمن توقف ليواجه الأب بحقيقة لا تحتمل، حقيقة أنه لم يعد هناك سوى هذا الكيس الأزرق ليحتضنه، بعد أن كان يحتضن ابنه بكل ما أوتي من حب.

«روح ادفنه»، قالوا له، وكأنهم يطلبون منه أن يدفن معه كل الآمال والأحلام التي نسجها حول ابنه. مضى بخطوات مثقلة نحو الحفرة المليئة بالجثث والأشلاء، وكل خطوة كانت تقتل جزءاً من روحه. كانت تلك اللحظات وداعاً لكل ما هو جميل في حياته، لكل ذكرى قضاها مع ابنه، لكل ضحكة تبادلاها، ولكل حضن ضمّه فيه. كانت خطواته تنقل ثقلاً لا يحتمله قلب، وكأنها تودع معه حبه وعمره وأحلامه التي تلاشت في تلك الحفرة، تاركةً وراءها فراغاً لا يملؤه شيء.




وسوم: #18#كغم


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :