-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 22-07-2024 10:57 AM     عدد المشاهدات 13    | عدد التعليقات 0

رسالة القمح والشطرنج

الهاشمية نيوز -
رمزي الغزوي

في أزمنة البارود المبلول كثيرا ما ألجأ إلى الشطرنج، لعبتي الأثيرة لأبدد قلة وضعف حيلتنا. أحبها وأعيشها وتعيشني، وأختبر بها صبري حتى أرى انبلاجا عالميا بعد أن أصوغه كيف أشاء. هي حربي الباردة أخوضها ببركاني الملتهب بعد أن نفث روحي كلها في حجارتها البيضاء والسوداء. وكم كنت ساذجا حين تمنيت ذات حرب موجعة عشتها لو أن الشطرنج تدحرُ حروب البشر القذرة وتشتّت شملها في مدارج الريح.
احتفيت أول أمس باليوم العالمي للشطرنج الذي أقرته الأمم المتحدة، احتفيت على طريقتي هذه المرة، فالأولاد منشغلون بدراستهم، والأصدقاء تشتتهم المشاريع والمواعيد، ولهذا عدت أحلل الدسوت (المباريات) العالمية الشهيرة، أي العب وحدي، وأرى كيف تحاك الحياة والموت بحركات يحسبها الجاهل خبط عشواء.
في هذه اللعبة عليك أن تدفن أعصابك في رحم مثلوج، وتلبس عدوانية الضواري والقطط البرية وجهاً فوق وجهك الخالي من التعابير. عليك أن تبقى هادئاً وإلا هلكت. عليك أن تجعل قلبك وعقلك يلهجان معا بالفوز وإلا أهلكتك الهزيمة. قاتل وكأنك تحيا في كل حجر كي تنجو.
عليك أن تسعى لتسمعَ رسيلك (نحن لا نسمي من يلعب معنا خصماً بل رسيلا يراسلنا الأفكار). عليك أن تسمعه بكل هدوء وثقة «كش مات» وتنهي أحلامه دون دماء. وكش هذه فارسية بمعنى اسحب أو حرّك، ولكنها غدت صوتا يعرفه أكثر من نصف مليار إنسان يلعبون اللعبة في عالمنا اليوم. مات هي الغاية، والباقي كر وفر وحياة نتمتص لذاذتها كي تنبت فينا أجنحة البهجة والسلام.
يحكي التاريخ أن الملك شيرهام أراد لعبةً لا يكون فيها للإنسان إلاّ ما سعى وفكر وعمل، رداً على لعبة النرد التي يقودها الحظ أحياناً. وكان له ما أراد على يد وزير عبقري ضاع اسمه في صفحات الغياب بعد أن أبدع لعبة توازي الحياة ورسالة تزداد بريقا مع الأيام.
فالوزير وبعد إلحاح من ملكه طلب حبةَ قمح لقاء اختراعه اللعبة، فضحك الملك ممن حيزت له الدنيا فتقزم طموحه في القمح. الوزير تابع بخبث لاعب ماهر، أريد في المربع الأول حبة، وضعفها في الثاني، وضعفها في الثالث حتى آخر مربع في الرقعة. عند التنفيذ يكتشف الملك أن صوامع الأرض كلها لن تكفي لتملأ الرقعة حتى المربع العشرين.
بحسبة بسيطة نعرف الآن أن الوزير يحتاج إلى 18446744073709551615حبة قمح يستغرق عدّها 584 بليون سنة، مع العلم أن عمر الأرض 4,5 بليون سنة فقط. فأية رسالة تلك التي أردت تمريرها إلينا أيها العبقري؟ وكم نحتاج من أراض نحرثها ونزرعها بصمت العبيد وحرص الأجداد لنملأ الشطرنج قمحاً أو حياة؟






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :