-

كتابنا

تاريخ النشر - 16-07-2024 10:21 AM     عدد المشاهدات 13    | عدد التعليقات 0

الشّونة الشماليّة .. تأمّل وأمل

الهاشمية نيوز - محمد عادل أحمد الخطيب

من فترة غير بعيدة، أخذت التأمّل في جمال منطقتي الشونة الشماليّة لبث بعض التفاؤل في نفسي وإخوتي، ولألقي الضوء على جوانبها الجميلة، ولأنتحي سمت جمالها في إبداعه، ولألحق نظر من ليس من أهل المنقطة بأهلها، فيشعر بجمالها وإن لم يكن منهم، وإن شذًَ بعض أهلها عنها، ردته الكلمات إليها، وأحببتُ أن أعطي المدينة بعدًا فلسفيّا؛ فتزاحمت الكلمات في قلبي، واحتشدت مصفوفة كلها في عقلي؛ فكانت هذه الكلمات.

الشونة الشماليّة موطن الفكر والثقافة والبيئة الخلّاقة، وهي المحور الفلسفي الذي كوّن إطارا ذهنيّا مجرّدا من الأفكار والمفاهيم والمتداخلة والمترابطة عند بعض أهله، مما مكنهم من تحليل كثير من الظواهر الوجوديّة المتأزّمة كغياب الإنسانيّات التي تعيشها المدن الكبرى.

تنوع الحياة وكيميائيّاتها العميقة تتحد في فكري مما يجعلني أدرك أن العالم ليس مجرد مادة بل هو تجسيد حي لأفكار ومشاعر الإنسان، وهو جزء من منظومة ذهنيّة معتبرة، كما قال سيجموند فرويد: «كل ما نحن عليه هو نتيجة لأفكارنا». لذا؛ فإنَّ الحياة في الشونة الشمالية هي تمثّل لتلك الأفكار، إذ يتشكل الوعي الجمعي من خلال التجارب اليومية والتفاعلات الإنسانية.

الصباح المشرق المتجدد في الشونة الشمالية، يجعل صباح الله فينا بكرة وأصيلا، صباح ودّ وندّ، أجد فيه نفسي وبعض أهل منطقتني مستغرقين في تأمّل الطبيعة التي تحيط بنا، الهواء النقي العليل الرقيق البارد الأحلى المنبعث من بحيرة طبريا، وصوت البلابل، وطائر الحسون، والكناري المغردة يعيدان لمن تأمّل الوجود إحساس السلام والهدوء العميق في داخل نفسه، هذا الاستغراق في الطبيعة دائما يجعلني أفكر في قول آرثر شوبنهاور: «العالم ليس إلا إرادة وتمثلاً»، ويجعلنا مقبلين للحياة، تملأ قلوبنا اللفهة لمتمثل الحياة، ذلك أنَّ التفاعل مع البيئة المحيطة ليس مجرد تجربة حسية، بل هو تمثّل للإرادة البشرية في فهم وتفسير هذا العالم المتداخل.

عند الذهاب لسوق الشونة الشعبي في الظهيرة، أجدها منصات لتبادل الأفكار والتجارب الإنسانية، أحب فيها أن استمع الباعة، فهذا بائع من بيت -الغرابلي - دائما ما يسألني عن سبب لشراء بعض الخضراوات من عنده، حتى يوجّهني لأحسنها شكلا وأزكاها مذاقا وأنسبها إلى إعداد الطعام، هذه الأسواق تشير بشكل مباشر لفكرة جلجامش عن أهمية الصداقة والتعاون في تحقيق الإنجازات الكبيرة إذ يقول» «لنمضِ معاً، لنحقق ما لا يمكن تحقيقه وحدنا»، فهي مكان يلتقي فيه الناس ليتبادلوا الخبرات والقصص، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويعمق من فهمنا للقيم الإنسانية المشتركة.

أمر الأسواق لا ينفصل عن المناطق الزراعية الواسعة في الشونة الشمالية، ففي الأسواق تتأدّى وظيفة المزارع، ويتبلّر جمال الطبيعة وقدرتها على العطاء، الحقول الخضراء والأشجار المثمرة تشكل لوحة طبيعية تنبض بالحياة، مما يعيد إلى ذهني نظرة بول سارتر: «الحرية هي ما تفعله بما تم فعله بك»، فالأمر أكبر من نظرة اقتصاديّة، بل تعبير عن الحرية الإنسانية التي يتجسد فيها المعنى العميق لفلسفة نيقولا غوغول إذ يقول: «الإنسان هو الذي يصنع الظروف، وليس الظروف هي التي تصنع الإنسان»، فلا تنحصر الأسواق على التجارة حسب، إنّما مسارح حية يعبر الزرّاع عن قوتهم الداخلية وقدرتهم على تشكيل حياتهم بجهودهم وإبداعهم، وهي قصة الإنسان الذي ينحت من الطبيعة لوحة تعبر عن الصمود والإبداع.

في ذاكرتي الحيّة، أرجع ذهنيّا إلى الجلسات المسائيّة مع الأصدقاء، فأبتسم لتبادل الأحاديث عن أيامنا في المزرعة، أبتسم للإنجازات الصغيرة التي نحققها يوميًّا، والأحلام الكبيرة التي نسعى لتحقيقها، هذا الاسترجاع منحني شعوراً بالانتماء والتواصل العميق مع جذوري ومع من حولي، وجعلني أدرك أن المعرفة ليست فقط في الكتب، بل هي أيضاً في التجارب المشتركة والحكم المستفادة من الأصدقاء الذين يصبحون بمثابة مرايا تعكس أعمق جوانب ذواتنا، وتذكرني أيضا بعبارة ايخنباوم: «الأدب هو تجربة الإنسان المنعكسة في الكلمات» تعزز من فهمي للوجود الإنساني ومعنى الحياة. كما قال جان بول سارتر، «الوجود يسبق الماهية»، وهذا يعني أن الإنسان هو من يحدد معنى حياته من خلال أفعاله واختياراته. في الشونة الشمالية، تجد أن كل تجربة وكل تفاعل يساهم في تشكيل هويتنا وفهمنا للعالم من حولنا.

ستظل الشونة الشمالية دائماً حيّة في قلبي، فهي البلدة التي صنعت مني إنساناً، وهي المكان الذي يحمل بين طياته ذكريات لا تُنسى وتجارب تشكل جزءاً من هويتي وثقافتي، لأنّها تحمل بين طياتها عمق المعنى وجمال التجربة الإنسانية، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من حياتي وفلسفتي في الحياة.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :