تاريخ النشر - 15-07-2024 09:14 AM عدد المشاهدات 13 | عدد التعليقات 0
صحة المواطن المالية .. ما سبل التوازن بين الدخل والنفقات؟

الهاشمية نيوز - مع تفاقم التحديات الاقتصادية والمعيشية التي تحيط بالمواطنين من ارتفاع كلف المعيشية وتزايد الاحتياجات والمتطلبات المالية اليومية، فضلا عن التأثيرات الاقتصادية التي خلفتها الأزمات الجيوساسية وحالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز الصحة المالية لدى المواطنين بما يمكنهم من مواجهة هذه التحديات والقدرة على الاستجابة للأزمات والحالات الطارئة.
ويقصد بالصحة المالية مدى قدرة الفرد أو الأسرة على إدارة الالتزامات المالية وتلبية الاحتياجات المعشية والمالية بكفاءة واستدامة. وتعد معرفة درجة الصحة المالية أمرا مهما وضروريا لأنها تساعد على اتخاذ قرارات مالية مستنيرة، وتمنح الفرد أو الأسرة إحساسا بالقدرة على إدارة الأموال والتحكم بها بطريقة فعالة.
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن الصحة المالية للأردنيين تبدو هشة للغاية، حيث يعاني الكثير من عدم القدرة على تحقيق التوازن بين الدخل والنفقات، في ظل الارتفاعات المتتالية للكلف المعيشية والخدمية مع ثبات معدل الدخول، مما ينتج عن ذلك عجز مالي مستمر لدى الأسر مما يدفعها إلى اللجوء إلى الاقتراض لسد الفجوات ما بين دخلها والمتطلبات الإنفاقية المترتبة عليها، علاوة على الحد من قدرتها على الادخار.
ويرى هؤلاء الخبراء أن تحقيق الصحة المالية للمواطنين يبدأ من الادخار والتحوط المستقبلي المبكر ماليا والتخطيط الإنفاقي المسبق، إضافة إلى أهمية ترشيد نفقاتهم الاستهلاكية فضلا عن السيطرة على المشاعر الذاتية عند اتخاذ القرارات الاستهلاكية.
وأكد الخبراء في تصريحات أن تعزيز الصحة المالية يتطلب من الحكومة ايضا اتخاذ مجموعة من الإجراءات تتمثل في تعزيز الاستقرار المالي وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين من خلال إعادة النظر بالنظام الضريبي وتخفيض ضريبة المبيعات والتوجه نحو نظام ضريبي قائم على الضرائب التصاعدية على الدخل، فضلا عن تخفيض الكلف الانتاجية والتشغيلية على القطاعات المنتجة، وزيادة الحد الأدنى للأجور وتحسينها، وأخيرا بذل جهود إضافية لزيادة معدلات النمو الاقتصادي.
ويشار إلى أن تقرير الصحة المالية في الأردن للعام 2023 الذي تصدره دائرة حماية المستهلك المالي في البنك المركزي، لفت إلى ارتفاع نسبة الأفراد الذين يعانون من ضعف في الصحة المالية مقابل انخفاض نسبة الأفراد الذين يتمتعون بصحة مالية سليمة والمتأقلمين ماليا.
وبحسب التقرير بلغ متوسط نقاط الصحة المالية للأفراد في عام 2023 حوالي 42 % بالمقارنة مع 44 % و38 % في عامي 2022 و2021 على التوالي، والذي يشير إلى تراجع طفيف في الصحة المالية لدى الأفراد خلال العام الماضي قياسا بالعام الذي سبقه، إلا انها افضل من النتائج المسجلة في عام 2021.
وقال الخبير المالي والاقتصادي مفلح عقل إن الصحة المالية للمواطنين "معتلة" بشكل عام، حيث يعاني الكثير من عدم القدرة على تحقيق التوازن بين الدخل والنفقات، في ظل الارتفاعات المتتالية للكلف المعيشية والخدمية مع ثبات معدل الدخول، مما ينتج عن ذلك عجز مالي لدى الأسر، حيث يلجأ كثير منها لسد هذه الفجوة من خلال الاقتراض الذي يعد الخيار الأسهل لهم إلا انه في الحقيقة يقاقم من الأعباء المالية للأسر ويضعف من سلامة الصحة المالية لديهم.
وبغية تعزيز الصحة المالية دعا عقل المواطنين إلى أهمية ترشيد نفقاتهم الاستهلاكية والحد من الإنفاق العشوائي، إضافة إلى ضرورة ادخار جزء من الدخل حتى وإن كان ضئيلا، علاوة إلى البحث عن عمل إضافي، مشيرا إلى ان هذه الحلول قد تكون قاصرة أمام الواقع المعيشي الصعب السائد حاليا.
وأكد عقل أن تعزيز الصحة المالية للمجتمع يتطلب من الحكومة بذل جهود إضافية لزيادة معدلات النمو الاقتصادي من خلال تسريع وتيرة الاصلاح الاقتصادي إلى جانب وجوب استقطاب رأس المال المخاطر والاستثمارات الحقيقية المولدة للفرص العمل، وتخفيض الكلف الانتاجية والتشغيلة على القطاعات المنتجة بما يرفع من قدرتها التصديرية، فضلا عن تخفيض الضرائب على السلع والرسوم والخدمات، حيث إن كل ما سبق من شأنه أن ينعكس على تحسين المستوى المعيشي للمواطنين وبالتالي الارتقاء بمستوى الصحة المالية لديهم.
بدوره أكد الخبير المالي وجدي المخامرة أن أهمية الصحة المالية تكمن فيما توفره من شعور للفرد او الاسرة بالأمن المالي، ويمكن اعتبار توفرها في حال ما كان لدى الفرد قدرة على إدارة شؤونه المالية والإيفاء بمستلزماته المالية في الحاضر والمستقبل وليدة قدرة على التحوط والادخار.
وبين المخامرة أن هناك تراجعا في الصحة المالية للمواطنين الأردنيين نتيجة للتحديات الاقتصادية العامة التي تواجه المواطنين ومنها ارتفاع تكاليف المعيشة ومستويات التضخم، إضافة إلى تدني الأجور وثباتها منذ فترة طويلة، فضلا عن ارتفاع تكاليف الاقتراض، إذ كان لكل ما سبق تطورات غير ايجابية على الوضع المالي للمواطنين، مؤكدا أن تقرير الصحة المالية للبنك المركزي أشار بصورة واضحة إلى تدني مستوى الصحة المالية للمواطنين.
ولفت المخامرة إلى أن هناك متغيرات عديدة على سلوكيات المواطنين الاستهلاكية باتت ملموسة للتعامل مع واقع تراجع الصحة المالية، إذ أصبح واضحا تركيز المواطن على النفقات الضرورية والابتعاد عن الكماليات، إضافة إلى اتخاذ العديد من الأسر قرار بنقل إبنائهم إلى المدارس الحكومية بدلا من الخاصة بقصد تخفيض نفقاتهم الأسرية، إلى جانب توجه كثيرين نحو ممارسة عمل إضافي لعمله.
وأكد المخامرة أن تعزيز الصحة المالية يتطلب من الحكومة اتخاذ مجموعة من الإجراءات تتمثل في تعزيز الاستقرار المالي وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين من خلال رفع الأجور وتعزيز الدعم الاجتماعي والاقتصادي لتخفيف الأعباء على المواطنين الأكثر تأثرا بتلك الصعوبات.
ويضاف إلى ذلك نشر برامج التثقيف والتوعية المالية في المجتمع الأردني وتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار والتخطيط للمستقبل وضرورة مشاركة المرأة في ادارة الشؤون المالية ووضع اولويات لإنفاق مصادر دخل المواطن والابتعاد عن النفقات غير الضرورية.
من جانبه يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن تحقيق الصحة المالية للمواطنين يبدأ من الادخار والتحوط المستقبلي، إذ إنه من المهم أن يكتسب المواطنين ذلك كثقافة ويمارسونها باستمرار.
وأكد عايش أن سلامة الصحة المالية تتطلب كذلك تغيير الكثير من السلوكيات والمعتقدات المالية لدى المواطنين، إذ تتفقد أغلب الأسر لخطط الأنفاق المسبقة وينفقون بعشوائية، إضافة إلى سيطرة المشاعر الذاتية على قرارتهم الاستهلاكية مما يفاقم من مستويات إنفاقهم دون إدراك منهم، ويراكم المزيد من النفقات لديهم ما يؤدي إلى مواجهة حالة من الإعسار المالي تدفعهم نحو الاقتراض والاستدانة باستمرار.
وشدد عايش على أن الصحة المالية يجب أن تكون جزءا من المنظومة العامة للمجتمع وليس للفرد فقط، أي أن يكون هناك مناخ وإطار عام يمكن المواطن والقطاعات الاقتصادية والحكومة من إدارة شؤونها المالية ومواجهة أي أزمات وحالات طارئة، ويتمثل هذا الإطار في توفر ادخارات لكل جهة مخصص للأزمات.
ولفت عايش إلى أن الصحة المالية للأردنيين هشة للغاية، نظرا لجملة من المعيقات والتحديات التي يواجهها وفي مقدمتها توسع احتياجاتهم المعيشية، فيما معدلات دخل لم تتغير منذ أمد طويل، ما يعني أن دخولهم لا تستطيع مواكبة توسع هذه الاحتياجات، إضافة إلى تراجع معدل الدخول بالقيمة الحقيقية والشرائية، وهو أقل من معدل الزيادات في الأسعار والكلف المختلفة التي تفاقمت خلال السنوات الماضية على وقع الظروف الوبائية والسياسية التي أثرت على العالم وأدت إلى تضخم الاسعار عالميا وارتفاع تكاليف الشحن وغيرها، فضلا عن تقلص قدرة المواطنين على الادخار نتيجة لما سبق ذكره.
إلى ذلك قال رئيس جمعية حماية المستهلك محمد عبيدات ان الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها فرضت على المواطنين وبشكل قسري ترتيب اولوياتهم والتزاماتهم المالية بما يتناسب مع دخلهم الشهري المتآكل الذي بات لا يكفي لسد الاحتياجاتت الاساسية.
وأضاف عبيدات ان النمط الاستهلاكي والشرائي لدى غالبية المواطنين بدأ يتغير بشكل ايجابي بالرغم من ان هذا التغير جاء نتيجة للظروف الصعبة التي نعيشها فقد اصبح المستهلك صاحب ثقافة استهلاكية واعية الى حد ما بعد ان كانت ثقافته الشرائية والاستهلاكية تميل الى الاسراف.