تاريخ النشر - 20-06-2024 09:36 AM عدد المشاهدات 12 | عدد التعليقات 0
كلنا جوعى .. ولا نوم لجائع!

الهاشمية نيوز - فايزة عبد الكريم الفالح
مِن نافذة التّمعُّن والإبصار، نسترقُ لحظات التأمّل في وجوه مَن حولنا مِن الناسِ، نتسلّلُ إلى مشاعرهم الدفينة، والتي طالما تعكسها مراياهم المهشَّمة بالحيرة، لتجترَّ وراءها كثيراً مِن الأسئلة المهمَّشة فيهم، تارةً بفعل التعوّدِ على نمط الحياة، وتارةً بفعل اللامبالاة لأيّ شيءٍ يمرُّ بهم؛ وذلك لإيجاد العذر المبرّر، وغير المبرّر أحياناً كثيرة، وإذ ما تلمّسنا مواضع الآلام فيهم، نجدُ جراحهم الغائرة قد نزفت أسرار الحقيقة الدّامغة، والتي ما عاد يُوقِفُ نَزفها ضمّادة التّداعي بالتّناسي. فثمّة رغبات نفسيّة، ووجدانيّة، وفكريّة، وجسديّة، على المرءِ إشباعها، وإن لم تُلبَّ بالشكل الصحيح، حتما ستتواجد فجوة كبيرة؛ مصدرها الإحساس بالجوع المفرط لها. إن كُلّنا جوعى...!
ها...! قد أُصبنا بتخمة الإحساس المفرط بالشبعِ الفارغ الممتلئ باللاشيء، وفي الحقيقة نحنُ الجوعى لكلّ رغبات الحياة، نجدُ أنفسنا قد ألهانا التكاثر حتى زرنا المقابر، حيث طَبَقَ على مائدة حياتنا وهَمُ الانتظار للعدم. منّا مَن يجلسُ حولها بأدبِ اليتيمِ الخانع، لا نجرؤ لملء طبقنا المهشمة حوافّه مِن غَرفِ أبسط الحاجات مِن الطبق الرئيس لملذّات الحياة. ومنّا مَن يجلسُ على مائدتها، وقد استحوذَ على كلِّ ملذّاتها، فارداً يديّه عليها، يحرس طبقه، وعينه ناظرة إلى إناء غيره، ويكأنه...! لا شيء يملأُ بطنه، طمع هو...! مِن نوع الاستنزاف، إمّا يكون له كلّ شيء، وإلّا لن يكون... هو جوعٌ الأنا المضخّمة...! والنّجاة لها، ومِن بعدها الطُوفان.
كُلّنا جوعى...! ولا عبرة لمَن يعتبر... وأيّةُ دابّةٍ أكلت منسأة أديم الأرض...؟ فيا مولايَ...! «ذا القرنين»...! كأن الشرذِمة المأجوجيّة اليأجوجيّة قد اخترقت الجدار، ونفرت قبل أوانها مِن كلِّ حَدبٍ وصوب؛ لتأكُلَ اليابس قبل لأخضر، وتحرق الهشير وفراش السقيم...! إنّه يا مولاي...! جوعُ أصحابِ بلدة طلعت عليهم الشمس، فانشغلوا بالسلب والنهب، وملأوا أفواههم بلذَّة الطمع، حتى انشغلوا عن أن يجعلوا بينهم وبين الشمسِ سترا...! إنّه الطمع يا معلمَ سيّدنا موسى... الطمعُ أشدّ أنواع الجوع. قال الله تعالى: «وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ».
ثم...! كُلّنا جوعى...!
وممّا لا شكّ فيه أنَّ الجوعى كُثُر، وأسباب الجوع كثيرة، ولا تندرج تحت مُسمىً واحدٍ.. فهناك الجوع الملموس الظاهر بكلّ نتوءاته الماديّة على الجسد، وثمّة الجوع المحسوس الظاهر بكلّ إيماءاته المعنوية على النفس، فكم منّا ينام ويصحو...! وهو يؤثر على نفسه مخمصة أصابتها... هناك مَن يشعر بالجوع إلى الراحة والطمأنينة والسكينة، والذي بات يُهدّدها فقر المودّة والرّحمة، الّلذان شرّعهما الله _ سبحانه وتعالى_ وجعل منهما ميثاقاً غليظا، قد جمع ما بين الزوجين، إنّه جوع منفرد مِن نوع النقص، ولَجم حَنك الحاجة
لكلِّ منهما. إنّهما الزوجان...! إنّهما الجائعان...! فحذارٍ...! حذارٍ...! من الإحساس بهذا النوع مِن الجوع.
وإذ... كُلّنا جوعى...!
كم منّا مَن ينام ويستفيق... وفي قلبه وجع من نوع مخمصة «فاقد الشيء لا يعطيه»، حيث كلّنا نبحث بعين شمسنا؛ عن مدى الصدق بأفراحنا وأحزاننا، عن صدق استنزاف الدمع حين أنصت الجمع. كلّنا يبكي مِن شدّة جوع مشاعرنا، وكلّنا يُخفي ما تظهره مُقَلُنا. كلّنا يجول في الساحة ذات الألمِ، حتى وجدنا جراح أنفسنا تنزف آهات تحت جَسِّ الطبيب، ووراء جرَّة الأقلامِ... إنّه جوع الموجوع؛ مع لحظات الصدق بأحاسيسنا ومشاعرنا مع أنفسنا ومع الغير.
وها...! كُلّنا جوعى...!
من منّا نامَ ذات ليلة، وفِراشه قد ارتعد من صقيع الفقر بالأمان...؟! وكم منّا مَن يصحو ولم ترتسمْ على ملامح صباحه خيبة الأمل؛ مِن غدر الأنفس الشٍرسة الشّرّيرة، ومِن طعن صديق لصديق، ومِن عقوق ابن لأبويه، ومِن ذُلِّ ربّ عمل لعاملٍ يعملُ تحت وطأة جيب ربّ العمل النتنة، ومِن خيبة جحود المعروف ونكران الجميل... ومِن انفلاتِ ضبطِ إحساسَ المسؤول أيّاً كان موقعه؛ حين يصكُّ على مسامعه عن قول الله تعالى: «إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ، كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا». وكذلك قول رسولنا محمد _ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم _: «كلّكم راعٍ، وكلّكم مسئولٌ عن رعيّته». فالإمام والوزير والمدير؛ والمعلم والأب والأم والأبن...! كلّهم راعٍ... والراعي هو الحافظ المؤتمن، أو هو مَن وُكِّلَ إليه تدبير الشيء وسياسته وحفظه ورعايته، وكم مِن الرعاة مَن هم جوعى...؟!.
كُلّنا جوعى...! إذا ما شعرنا بإحساس الجوع الفكري، فالفكر يحتاج دوما التغذية المباشرة؛ عن طريق أساليب التّعلّمِ والتعليم، والحوار الإيجابيّ المُجدي، وكذلك التفكّرِ الدائم بما ينفع الفرد، ممّا ينعكس عليه، وعلى مجتمعه، فيحفّزه للتّقدم نحوَ الأفضل قُدُماً، والخروج من الدائرة الضيّقة؛ لعدم تفهّمه واستيعابه لِما يدور حوله؛ مِن صعوبات جمّة، لطالما تحتاج لإيجاد حلول منه؛ كونه يعيش ضمن منظومة مجتمعيّة، إطارها جغرافية العالم كلّه، متعدّياً آفاق الزمن، والذي لا حدود له. فالفكر وليد العلم... والعلم وليد المعرفة. وإلّا سيكون التضخّم للعقل كمادّة جامدة، لعدم تعاطيه مع الفكّر، حتّى يصل إلى مرحلة الإفلاس منه، وإنّه لإحساس بالجوع مِن النوع القاتل... وإذ كُلّنا جوعى...!
أااهٍ...! يا صومعة أنفسنا...! خارت قوانا، وكُلّنا جوعى...! فكم اشتهينا...! أن نكون سُجّداً عُبّاداً ؛ ونقوم بأطراف الليل والنهار؛ لله شوقاً زُهّاداً، إذما شربت أبحُرُ معاصينا ماءَ الحياءِ، وإذما تعطّشت النفس اللوّامة؛ للجريان في شرايين القلوب، والصبب في دلتا حنايا الأرواح، ورشق رذاذها على الوجوه، لتكون طهورا...!طهورا...! وتوبةٌ لا تنازعها شقوة. إنّه جوع الأرواح للسموِّ، والرقيّ والارتقاء بها؛ لصومعة السماء، حيث النور...! ونحن في القرب للنور جوعى...!
ولكن...! ماذا بعد...؟ رغمَ وطأة الفقر الذي استحكمت حلقاته في أنفسنا، والجوع المترامي على جنباتها بكلِّ مسمياته المحسوسة والملموسة فينا هنا...! وهناك...!، هل حقّا نحن جوعى أمام المجاعة الفعليّة المرئيّة، والمجيّشة من قٍبَلِ الصهيونيّة عدوّ الإنسانيّة في غزة، وعلى مرأى العالم بأسره، والتي طالت جميع شعبها دون استثناء، حتى أصبح العالم كلّه مفتقراً للإنسانية حتّى بات الضمير يشكو عطشه وجوعه منها... فغاب الضمير العربي في خضمّ الجوع اللامتناهي فيها... لنكون كلّنا جوعى...! ها...! نحن...! خلعنا عنا قميص النهار، واتّخذنا من الليل ثوباً، وأوجلنا منه خميصا... وكم بين المُريد والمراد مِن الشبع مساحات ومسافات شاسعة، مِن مائدة الكرامة، والعزّة، والشهامة، ومِن طبق المروءة، والأخوّة، والفزّعة المُتلاحمة...!
فنحن الجلّ مفلسون... والكلّ مِن المراد جوعى...! كُلّنا فوق الأرض، وتحت الأرض جوعى...! ولا نوم لجائع يا ولدي...!