تاريخ النشر - 20-06-2024 09:35 AM عدد المشاهدات 11 | عدد التعليقات 0
نفحات كونفوشية ساخنة

الهاشمية نيوز - غسان اسماعيل عبد الخالق
انطلقنا صباح السبت 23 حزيران 2018 في الحافلة باتجاه مدينة «تشيوفو» التي تقع جنوب غرب مقاطعة «شاندونغ» وتبعد عن «مدينة الجِنَان» نحو 135 كيلو متراً، وتناولنا الغداء في أحد المطاعم التي تقدم وجبات «حلال»؛ كان الغداء لذيذاً وشهيًا جداً، لأنه اقتصر على أسياخ اللّحم المشويّ وقلاّيات البندورة المثوّمة! فأقبلنا جميعًا على التهام كلّ أطباقنا، ثم انطلقنا لزيارة معبد كونفوشيوس الذي تبيّن لنا لاحقًا، أنّه يتكون من ثلاث مدن صغيرة متباعدة؛ واحدة دينية تعليمية، وثانية سياسية عسكرية، وثالثة تشريعية قضائية.
كان الإقبال على زيارة المعبد، وخاصة من طرف الصينيّين، منقطع النظير؛ فالازدحام على أشدّه، على الرغم من الحرّ الشديد والرطوبة العالية والمسافات الطويلة بين أرجاء المعبد، إلى درجة أن بعض الزملاء والزميلات والطلاب قد أصابهم الإعياء، على الرغم من الاستعانة بالحافلات والعربات التي تجرّها الأحصنة الصينية الضخمة والثقيلة.
تولّى إرشادنا دليلٌ يزعم أنه أحد أحفاد «كونفوشيوس»، وراح يدلّل على صحة هذا الزعم بملامح وجهه التي يعتقد أنها تشبه ملامح الفيلسوف الصيني العتيد. ومن خلال مئات التفاصيل التي أغرقنا بها هذا الدليل الذي لا يكفّ عن الكلام، استنتجت أنَّ « كونفوشيوس» الذي وُلد في بلدة «زو» قرب «تشيوفو» عام 551 ق.م، والذي يصعب أن تُميّزَ في سيرة حياته بين الواقع والخيال أو بين التاريخ والأسطورة، اعتقدَ أن الحل الجذري لمشكلات الصينيين يتمثّل في إطلاع جيل من المثقفين/ الحكماء والأقوياء والمهذبين والمخلصين للماضي. ولهذا فقد بادر لتحطيم ذلك الامتياز الخطر الذي طالما احتفظ به النبلاء الصينيون لأنفسهم، وأعني به التعليم؛ فاستحدث مدرسة لتعليم كل الصينيين بلا استثناء، وخرّج فيها ثلاثة آلاف تلميذ، تميّز منهم سبعون وأصبحوا أعلامًا. كما ابتكر نظامًا صارمًا لاختيار موظفي الدولة وفق معيار معرفي نزيه، سُمّي لاحقًا «الامتحان الإمبراطوري» الذي ضمنَ لدولة الصين على امتداد مئات السنين، الظفر بأفضل الكفاءَات والمهارات والمواهب، بصرف النظر عن الطبقة أو الدين أو العِرْق. وبسبب شبكة المصالح والصراعات المتداخلة والمعقّدة في الصين القديمة، فقد تعرّضت أفكار «كونفوشيوس» لموجات من المدّ والجزر أثناء حياته وبعد وفاته.
وعلى الرغم من الحصار الذي ضربه الحزب الشيوعي حول الكونفوشية وغيرها من المعتقدات الصينية القديمة، إلاّ أنَّ المراجعات المتتالية التي أجراها لكثير من تجاربه، وخاصة « الثورة الثقافية» في أواخر عهد «ماوتسي تونغ»، تكفّلت بإعادة الاعتبار للكونفوشية التي غدت تدريجيًا وواقعيًا الأيديولوجيا الشعبية لمعظم الصينيين. بل إنَّ « كونفوشيوس» غدا الرمز الروحي والفكري والثقافي للصين بأسرها. ومما ساعد على هذه الصحوة، تنبُّه القيادة الصينية لحقيقة أنَّ الاستثمار في شخص «كونفوشيوس» وفي أفكاره وتعليماته، مربح جدًا على الصعيدين الداخلي والخارجي، ويمكن أن يدرّ على الصين أموالاً طائلة، دون أيّ مخاطر جانبية؛ فالكونفوشيه تمثل نمطَ حياة محافظًا وعصاميًا وأخلاقيًا في المقام الأول، ولهذا فقد عكفت الحكومة على ترميم وبعث كل ما يمتُّ لـ»كونفوشيوس» والكونفوشية بصلة، ونشطت للاحتفال بذكرى ميلاده في كلّ عام، وصرفت النظر عن مدى صحة شجرة أحفاده الحقيقيّين أو المزيّفين. ولا ريب في أنَّ الصراع الثقافي الناعم بين الصين وأمريكا، قد جعل الأولى تزداد تمسكًا برمزها الفكري العريق، فأطلقت اسمه على سلسلة مراكزها التي تعلّم اللغة الصينية في أرجاء الكرة الأرضية وعددها 530 معهدًا، تديرها مؤسسة «هانبان» ذات الإمكانيات المالية الكبيرة والصلاحيات الاستثنائية الواسعة. وبينما كانت الحافلة تنحدر عائدة بنا إلى الفندق، استرعى الدليلُ السياحيُّ الظريف انتباهنا أكثر من مرة، لمقابر أحفاد « كونفوشيوس» فابتسمتُ وقلت لنفسي: التعلّق بقبور الأولياء ليس حكرًا علينا نحن العرب! ثم أردفت مبتسمًا أيضًا: من قال إننا سنكون قادرين صباح غدٍ على ارتقاء «جبال التاي»، بعد أن أخذ منا معبد «كونفوشيوس» مأخذاً كبيراً جدًا، إلى درجة أن بعض الزملاء زعم أننا مشينا سبعة عشر كيلو مترًا!
تناولنا عشاءنا في المطعم نفسه الذي تناولنا فيه غداءَنا. ومع أن الطعام كان مغريًا جدًا، إلاّ أن أحلامنا بالوصول إلى غرفنا الفندقية والاغتسال والخلود للراحة، كانت أقوى من أي رغبة أخرى. أما نشوتي الشخصية لأنني قاومت الاستسلام لكسل الإنفلونزا وظللت في مقدمة الصاعدين والهابطين طوال برنامج التجوّل في أرجاء معبد « كونفوشيوس»، دون وهن أو تذّمر، فلم تعادلها نشوة أخرى. وهذه مسألة لا يدركها أو يستطيع الإحساس بها إلاّ من خَبِر الارتحال وتخطّي الصعاب، إذ إنَّ ثمة تحديات داخلية تواجه بعض المسافرين، لا يراها سواهم، ولا يستشعر ثقلها وقسوتها إلاّ هم، فإمّا أنْ يجتازوا هذه التحديات الباطنية الغامضة، وإمّا أن يرفعوا راية الاستسلام ويعودوا من حيث أتوا. وإجمالاً فقد أهديت تماسكي وصمودي إلى « كونفوشيوس» الذي ظلّت مسيرة حياته ومنظومة أفكاره تلحّ عليّ وتدعوني لإثارة المزيد من العصف الذهني الذاتي، فعزمت على استكمال هذه العصف بعد الوصول إلى غرفتي الفندقية والاغتسال طويلاً، والاستمتاع بالتمدّد على السرير الوثير النظيف، وتدوين المزيد من الملاحظات والخواطر؛ فما شاهدته اليوم لم يكن مجرّد آثار بالية تحكي قصة نجاح حكومة مصغّرة قبل خمسة وعشرين قرنًا، بل هو دليل دامغ على أن الأفكار لا تموت حتى لو مات المفكرون!
في غرفتي، بعد أن اغتسلت وأعددت قهوتي التركية المغلية، وتمركزت في المقعد الوثير المواجه للنافذة، تابعت التفكير في «كونفوشيوس» والكونفوشية. في البداية وجدت صعوبة في زرع أجنحة لأفكاري، جرّاء انشدادي لما كتبته قبل سنوات عن «كونفوشيوس» في صحيفة «الدستور» اليومية الأردنية، بالتزامن مع احتفالات الصين بذكرى استقلالها الستين، فقد استرعى انتباهَ المراقبين المتابعين للشأن الصيني آنذاك أمران: الأول خبر مفاده أن شجرة النسب الخاصة بـ «كونفوشيوس» قد باتت تضم مليوني شخص وبزيادة تقدّر بثلاثة أضعاف التعداد الأخير لأفراد العائلة الذي أجري في العام 1937، حيث بلغ عدد أفراد العائلة 560 ألف شخص. وقد لوحظ أنَّ شجرة العائلة الكونفوشية المكوّنة من ثمانين جزءًا وفي كل جزء 43 ألف صفحة، قد اشتملت على أفراد لا يقيمون في الصين أو ليسوا صينيين! والثاني خبر مفاده أنَّ الصين قد أحيت رسميًا الذكرى السنوية 2560 لميلاد المفكر والفيلسوف الصيني «كونفوشيوس»، وقد أقامت لهذه الغاية احتفالاً ضخمًا حضره نحو عشرة آلاف شخص في مدينة «تشيوفو» مسقط رأس هذا المفكّر والفيلسوف العتيد. كما لوحظ أنَّ الجمع الغفير الذي احتفل بذكرى ميلاد « كونفوشيوس» قد ضمّ علماء ودبلوماسيين بالإضافة إلى أحفاد «كونفوشيوس» -إذا صدق أنهم كذلك- فضلاً عن اشتمال الاحتفال على مؤتمر عالمي ثانٍ خاص بـ « كونفوشيوس».
لكن سرعان ما شرعت في التفكير بطريقة مختلفة وعلى هذا النحو؛ كيف يمكن لفلسفة محافظة ومشدودة للماضي، أن تغدو وسيلة لحماية الحاضر والاندفاع نحو المستقبل؟ لقد حورب « كونفوشيوس» وهو على قيد الحياة لأنه كان يعتقد بأن الزمن الجميل قد انقضى قبل أن يبدأ الإنسان رحلته، وأن المهمة الأساسية للإنسان العصاميّ، تتمثل في صيانة حنينه إلى الماضي الضائع؛ صحيح أنه عوّض هذا الخطر الماثل في الحنين الدائم للماضي بإصراره على تحمّل الحكومة مسؤولية رعاية الشعب، وصحيح أنه حمّل الشعب مسؤولية تنمية منظومته الأخلاقية وصيانتها، وصحيح أنه حضّ على المحبة المطلقة غير المشروطة بين الناس، وصحيح أنه أولى «الإتيكيت» الاجتماعي عناية فائقة، لكن انحيازه للماضي ومطالبته الناسَ بضرورة العيش في بيوت هذا الماضي، جعل منه ومن أفكاره هدفًا مباشراً لكل السياسيين والعسكريين الطامحين للتغيير وللتقدّم!
لقد اكتسب «كونفوشيوس» محبة الناس واحترامهم على امتداد قرون، جرّاء هذه «النوستالجيا» التي تكفّلت بصياغة الشخصية الصينية وثباتها لعشرين قرنًا على الأقل، وخاصة على صعيد تقديس العائلة وتبجيل الآباء، ما جعل الصين كتلة حرجة عصيّة على التذويب، وعبرت القرن العشرين محتفظةً بهذه الصلابة في الشخصية الحضارية؛ فكان أن تحوّل الثابت إلى متغير فورًا، إذ بينما كانت عشرات الشعوب تفقد مقومات وجودها وتتهاوى – مثل الشعوب العربية- فإن الصين وبفضل محافظتها الشديدة، قفزت فورًا إلى واجهة القوى العظمى. ومن منظورٍ جدلي، وعلى الرغم من كلّ التجارب المؤلمة التي خاضتها الصين جرّاء مغامرات الخطّ الماويّ المتشدّد، فإنها أفادت إلى حدّ بعيد من «نوستالجيا كونفوشيوس» على صعيد تثبيت هويتها، كما أفادت من «راديكالية ماو» على صعيد تحفيز تقدمها، ثم التقت إيجابيات الماضي والحاضر عند مفترق الواقعية؛ فالكونفوشية ليست دينًا، بل إنها تضيق ذرعًا بالجدل في كل ما هو غيبي، لأنها منقوعة في الواقع الدنيوي وفي تهذيب إنسان هذا الواقع وصقله عبر حثّه على الإنجاز والإتقان، وعلى التواضع الشديد مهما بلغت درجة التميّز، وعلى تثقيف الذات نظريًا وعمليًا، وعلى الشجاعة والإقدام والشهامة والمروءة، وعلى محض الناس، كلِّ الناس، الحبَّ، دون شروط، ودون توقّع أيّ مقابل لهذا الحبّ، وعلى الاستمتاع بالجمال الثاوي في الفنون وخاصة في الموسيقى!
سأغامر وأعترف بأن صورة « كونفوشيوس» ظلّت تستدعي في ذهني على الدوام، صورة «الجاحظ»! ليس لأنهما يتشابهان من حيث الدّمامة وخفّة الظل وحسّ السّخرية اللاّذعة وعدم الانسجام مع أجواء الوظيفة الحكومية، بل لأنّ الأول مصلح ومفكِّر عقلاني واقعي أخلاقي رومانسي، والثاني زعيم معتزلي عقلاني واقعي أخلاقي رومانسي أيضًا. ولأنني لم أستطع منع نفسي من التساؤل مرة تلو مرة؛ لماذا أُجهض مشروع المعتزلة العقلاني الواقعي العملي الأخلاقي على الرغم من كلّ الامتيازات التي استأثروا بها في الدولة العباسية؟ ولماذا ظلّ مشروع « كونفوشيوس» يتجدّد ويعيد إنتاج ذاته، حتى بعد انتصار الثورة الشيوعية، التي تعمّدت التصريح بأنها قد أنهت حكم «كونفوشيوس»! وعلى الرغم من كل العثرات التي شابت مسيرة « كونفوشيوس» مع الحكومات الصينية، إلى درجة أنه آثر الاستقالة من العمل الحكومي، والتفرغ للتعليم والمناداة بأفكاره وقيمه ومبادئه الإصلاحية؟ لماذا تقدّم الآخرون – على علاّتهم- ولماذا تأخرنا نحن –على كثرة مزايانا-؟ هذا هو السؤال الذي أطلقه شكيب أرسلان منذ العام 1930، وما انفكّ صداه يتردّد في كلّ حقل، وفي كلّ منشط!
ولو طُلب مني أن أقدّم نموذجًا بشريًا مستوفيًا لكل ما بشّر به « كونفوشيوس»، لما وجدت أفضل من مرافقنا «دينغ»؛ العقلاني والواقعي والعملي والكريم والمخلص والمثابر والمحبّ والمتواضع والمرح والمرهف. إنه واحد من مئات الملايين الذين صاغتهم فلسفة «كونفوشيوس» وشكّلتهم على نحوٍ يصعب معه مجدّداً التفكير بالمنافسة!
وقد قُيّض لي أكثر من مرة، أن أكون شاهدًا على تجسّد « كونفوشيوس» في «دينغ»، وخاصة حينما كنت أتعمّد أو حينما يتعمّد أحد الزملاء اختباره، عبر المقارنة بين الصين واليابان – مراهنين على الحساسية التاريخية والمنافسة السياسية المحتدمة بين البلدين- لنفاجأ بإقراره بأن اليابان الآن، وإن كانت قد استعارت الكونفوشية من الصين، أكثر تطوّراً وتمدّناً وحداثة! بل إنه أكد لي أكثر من مرة، أنه لم يستمتع ولم يشعر بالراحة في أيٍّ بلد من بلدان العالم، كما استمتع وشعر بالراحة في اليابان التي أقام فيها بضع سنوات. وكأني به يتحرّى – قولاً وعملاً- توجيهات «كونفوشيوس»، بخصوص الترفّع عن الأحقاد وشمول الناس، كلّ الناس، بالحب المبرّأ من الأغراض والمنافع والشروط، والتزام جادة التواضع الشديد، مهما كان الإنجاز الذاتي أو الجمعي باهرًا ومتميزاً، فالتفاخر – كما يرى « كونفوشيوس» – حماقة ما بعدها حماقة، لأنّ المتفاخر إن كان محقًا بخصوص إنجازه، فهو لا يحتاج للتدليل على مآثره وعليه أن يدع للناس فرصة الإشادة بما أنجز، وإن كان غير محق، فقد طلب لنفسه المهانة والاستهزاء!