تاريخ النشر - 06-06-2024 09:32 AM عدد المشاهدات 13 | عدد التعليقات 0
تحذيرات دولية من نضوب المياه الجوفية .. ودعوات محلية لإجراءات طارئة

الهاشمية نيوز - بينما يبدو أن معضلة استنزاف المياه الجوفية باتت خطرا محدقا وكابوسا يلاحق الأزمات الناجمة عن المخاطر البيئية بشكل عام، وسط مخاوف، حددها التقرير الأخير لمخاطر الكوارث المترابطة للعام 2023، وفي مقدمتها "تأثيرات ضارة لا رجعة فيها"، من ضمنها استنزاف المياه الجوفية، والحرارة اللاهبة، أكد خبراء في قطاع المياه، ضرورة تنفيذ إجراءات شاملة وعاجلة لتجنب الوصول إلى نقطة الانهيار الكارثي للأنظمة الحيوية.
وعند تسليط الضوء على هذه القضية في الأردن، ثاني أفقر دولة في العالم مائيا، ووسط مؤشرات بيانات رسمية، فإن المملكة حاليا في وضع يتجاوز بالفعل نقطة تحول في المياه الجوفية، ما يستدعي بحسب.
وفي إطار المخاوف التي أبداها تقرير صدر مؤخرا عن الرابطة الدولية للمياه (IWA)، إزاء "تزايد تدهور الأنظمة الحيوية مثل الغذاء والمياه والنظام البيئي الأوسع نطاقا، ببطء بمرور الوقت، حتى يصل لنقطة تحول"، وفي النهاية إلى "الانهيار الكارثي المحتمل"، معتبرا أنه "ليس عملية بسيطة أو متوقعة عادة"، ربط المختصون تحقيق الأمن المائي بأهمية التحول السريع في منهجية إدارة المياه الجوفية.
وفي سياق المخاطر المذكورة في تقرير "مخاطر الكوارث المترابطة للعام 2023، والذي أصدره معهد جامعة الأمم المتحدة للبيئة والأمن البشري، أكد الخبير الإقليمي في مجال التعاون بقطاع المياه مفلح العلاوين، ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وشاملة من أجل مواجهة التهديدات المتزايدة الناتجة عن تدهور الأنظمة الحيوية، وخاصة المخاوف المتعلقة بالمياه الجوفية".
وقال العلاوين إن "تنفيذ هذه الإجراءات الشاملة والعاجلة سيكون بمثابة خطوة حاسمة لتجنب الوصول إلى نقطة الانهيار الكارثي للأنظمة الحيوية".
وأشار إلى الحاجة نحو تحسين إدارة الطلب على المياه في المدى القصير، وذلك من خلال تنفيذ برامج كفاءة استخدام المياه، وتشجيع الاستخدام المستدام في مختلف القطاعات.
ودعا إلى ضرورة "توسيع نطاق استخدام تقنيات إعادة استخدام المياه المعالجة والتحلية في المناطق ذات الندرة المائية"، مشيرا إلى أن ذلك يتم بالتوازي وأهمية "وضع وإنفاذ قوانين وتشريعات صارمة لحماية مصادر المياه الجوفية من التلوث والاستنزاف الزائد".
عـلاوة على ذلك، أضاف العلاوين أنه يتعين تعزيز شبكات الرصد المائي، وتطوير أنظمة التنبؤ والإنذار المبكر بشأن تغير المناخ وندرة المياه.
أما عن إطار التعاون الإقليمي، فأكد العلاوين ضرورة إنشاء آليات للتنسيق بين الدول في إدارة الموارد المائية المشتركة والتصدي للتهديدات عبر الحدود، متابعا: "لذا يمكن الاستفادة من مبادرة السلام الأزرق التي تُعنى بالتعاون المائي في إدارة المياه المشتركة بين الدول المتشاطئة".
وخلص أيضا إلى ضرورة "الاستثمار في البحوث العلمية والتطوير التكنولوجي لإيجاد حلول مبتكرة لمشكلات المياه".
من ناحيتها، أكدت الخبيرة الإقليمية في دبلوماسية ميسون الزعبي أنه "لن يتحقق الأمن المائي إلا من خلال التحول السريع في منهجية إدارة المياه الجوفية"، مشيرة إلى مساهمة ذلك في "تمكين احتياطي المياه الجوفية من التعافي والحفاظ على مستويات إنتاج آمنة وحمايتها من التلوث".
وقالت الزعبي إنه "مع النهج الحالي في التعامل مع المياه الجوفية، يتجه الأردن نحو الكارثة"، منوهة بإمكانية "اتخاذ الحكومات التدابير وصياغة السياسات التي تعكس هذا الاتجاه، واتباع أساليب تخطيط إستراتيجي وتكيفية واسعة النطاق لإدارة ما لديها بشكل أكثر فعالية وتقليل الاستثمارات التي يتعين عليها القيام بها لمنع الأزمة من أن تصبح حقيقة واقعة".
وأضافت أنه توجد حالات محددة تم فيها عكس اتجاهات الاستنزاف بعد تغييرات في السياسات، وإدارة إعادة تغذية طبقة المياه الجوفية، وتحويل المياه السطحية، قائلة إنه "من خلال التدخلات في الوقت المناسب، يمكن لهذا المورد المهم أن يتعافى".
وبينت أنه "بينما تعطى الأولوية للإدارة الفعالة للمياه في المناطق المعرضة للخطر، يجب علينا أن نعمل بشكل أكثر استباقية لدمج هذا النهج في المناطق الأقل عرضة للخطر، قبل أن تصبح الندرة أمرا لا مفر منه".
واقترحت حلولا لمعالجة الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، موصية بأهمية "تحديد الحد الأقصى لعمق الحفر في كل منطقة، وتقنين حفر آبار جديدة حسب الوضع الجيولوجي فيها، واتباع السياسات الزراعية لتحديد الدورة الزراعية، وزراعة المحاصيل ذات الاستهلاك المنخفض للمياه في المناطق غير الغنية بالمياه الجوفيّة".
وفي هذا الصدد، أشارت إلى دور الاعتماد على نهج الاقتصاد الدائري، كتحويل تدفقات السيول خلال السنوات الرطبة إلى منصات مائية، ما يسمح للمياه بالترشيح إلى طبقة المياه الجوفية لاستخدامها في سنوات الجفاف، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي بعد معالجتها وتحويلها إلى مياه معالجة عالية الجودة يمكنها تجديد وإعادة شحن طبقة المياه الجوفية وإعادة استخدامها في الزراعة لتقليل ضخ المزيد من المياه الجوفية،
وذلك إلى جانب الحد من الإفراط في استخراج المياه الجوفية من خلال التحليل المنتظم والموثوق لمستويات الضخ الآمن المرتبطة بالترخيص والموازنة المائية لجميع أحواض المياه الجوفية، بالإضافة إلى حماية نوعية المياه الجوفية، من خلال تقليل مخاطر التلوث والسيطرة على تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، وإلقاء المواد الكيميائية والمواد الخطرة.
كما شددت الزعبي على أهمية اعتماد إجراءات وتدابير سريعة للتكيف والمقاومة، منبهة من "التصرف كما لو أن الوضع طبيعي"، فضلا عن تطوير قدراتها على تجميع مياه الأمطار التي تجف أو تتبخر دون استغلالها، من خلال سياسة بناء السدود التي تظل خطوة أساسية في مكافحة الجفاف وشح المياه، فضلا عن تغيير سلوكيات الإنتاج والاستهلاك المستخدمة مع المياه.
ورغم مشكلة شح المياه والضغط المتزايد عليها، إلا أن المشكلة ما تزال غير حاضرة في أذهان الكثيرين الذين يهدرونها بشكل غير عقلاني وغير مسؤول، وفق الزعبي التي أكدت الدور المهم للمزيد من الاستثمار في أنظمة إدارة المياه الفعالة، إذ سيكون بمثابة خطوة كبيرة نحو ضمان إنتاج أفضل وبيئة أفضل وتغذية أفضل وحياة أفضل. وبالإضافة إلى الاستثمار، من المهم تعزيز دور المجموعات المجتمعية، بمن فيها النساء، لتحسين إدارة موارد المياه، بالإضافة لضرورة تحسين الأطر السياسية والتنظيمية لضمان إيجاد حلول دائمة لمشاكل المياه المزمنة.
وأوضحت أن طبقات المياه الجوفية التي يمكن الوصول إليها، توفر صمام أمان في حالات الجفاف، وتلعب هذه الموارد أيضًا دورًا حاسمًا في التكيف مع تغير المناخ عبر الحفاظ على مجموعة واسعة من النظم البيئية التابعة وتوفير المياه العذبة عندما تكون موارد المياه السطحية شحيحة.
وقالت إنه رغم كونها موردا متجددا، إلا أن إعادة التعبئة الطبيعية لطبقات المياه الجوفية في العمق، هي عملية بطيئة وتستغرق عقودًا أو قرونًا عديدة حتى تتعافى بعد استنفادها، ولذلك فإن استنزاف المياه الجوفية يشكل مشكلة كبيرة تهدد الأمن المائي والغذائي.
وأضافت أن استنزاف المياه الجوفية أحد أكبر التحديات التي تواجه قطاع المياه، ويترك الاستنزاف السريع لاحتياطيات المياه الجوفية آثارًا كبيرة على البيئة والزراعة والإنسان.
وأشارت إلى تأثيرات اقتصادية كبيرة تترتب على استنزاف المياه الجوفية وانخفاض منسوبها، إذ قد يضطر صاحب البئر إلى زيادة عمقه أو حفر بئر جديدة، منوهة بأن استنزاف المياه الجوفية يهدد نوعية المياه بسبب التلوث الناجم عن تسرب المياه المالحة، لافتة إلى أنه، وفي ظل الظروف الطبيعية، تميل الحدود بين المياه العذبة والمياه المالحة في الأرض إلى أن تكون مستقرة نسبيًا، لكن الضخ الثقيل يمكن أن يتسبب في هجرة المياه المالحة إلى الأعلى وتلويث إمدادات المياه العذبة، بحسبها.
وتكتسب المياه الجوفية أهمية كبيرة في الأردن، حيث تعتبر المصدر الرئيسي لمياه الشرب والاستخدامات الأخرى، وتشكل 58 % من مجمل الاستخدامات.
ونبهت الزعبي من الانخفاض الكبير في موارد المياه الجوفية، مبينة أن الارتفاع الحاد في الطلب على المياه، إلى جانب الإفراط في ضخ المياه من معظم الآبار إلى ما هو أبعد من الحد الآمن، أدى لاستنزاف أهم الموارد المائية في الأردن.
ونظراً لتبعات التغير المناخي، أدى ذلك لتراجع مصادر المياه المتاحة، وخاصة المصادر السطحية، ما دفع إلى زيادة الاعتماد على المصادر الجوفية، وفق الزعبي التي أوضحت أن قطاع المياه اضطر إلى استخدام المياه الجوفية لتعويض ضعف موسم الأمطار.
ويتجلى ذلك بوضوح في زيادة استهلاك القطاع الزراعي من المياه الجوفية، إذ لا تعكس هذه الزيادة نمواً في النشاط الزراعي، بل ضغطاً إضافياً على المياه الجوفية بسبب انخفاض كمية المياه السطحية، بحسبها.
وركزت على وجود علاقة قوية وترابط وثيق بين قطاعات المياه والطاقة والغذاء، لافتة إلى أنه لإنتاج الغذاء يجب توفير المياه والطاقة، ولتوفير المياه النظيفة للاستهلاك البشري، فإن ذلك يتطلب الطاقة، تماماً كما يحتاج إنتاج الطاقة إلى المياه.
وبينت أن حدة هذه العلاقات المتشابكة تزداد بمرور الوقت نتيجة للطلب المتزايد على الموارد مع زيادة السكان وتغير أنماط الاستهلاك والمناخ، إذ يمكن للروابط القوية بين القطاعات أن تؤثر على تحقيق ثلاثة أهداف سياسية حاسمة؛ الأمن المائي، وأمن الطاقة، والأمن الغذائي.
وبرز نهج الترابط بين المياه والطاقة والغذاء كإطار شامل يعترف بالمساواة بين المجالات الثلاثة وكذلك بالترابط والاعتماد المتبادل فيما بينها، إذ يساعد تطبيق إطار الترابط على تحليل السياسات في تحديد أوجه التآزر والمقايضات، وكذلك تحديد أولويات هذه التدابير، وفق الزعبي.
من جهته، حذر مدير برنامج الاردن في مؤسسة "سيواس" ميسم العتوم، من مخاطر ضعف القدرة في مراقبة المياه الجوفية، ما يزيد في حساسية تلك المياه للتغيرات في الانظمة الحيوية؛ وذلك نتيجة ضعف الإمكانات التقنية لمراقبة جودة الآبار الجوفية من جهة، أو بسبب التكلفة العالية المرتبطة بالمراقبة الدورية للآبار من جهة أخرى.
وقال العتوم إن "هذا ما يشكل في العادة صدمة للمزارعين عند انحسار الآبار الجوفية أو ازدياد ملوحتها بشكل مفاجئ مثلا، ما يحد من قدرة المزارع في إنتاج الغذاء أحيانا".
ورأى فرصة كبيرة في هذا المجال للشركات الريادية والباحثين في تقديم حلول ابتكارية باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد، أو من خلال الأنظمة الذكية في مراقبة الأحواض الجوفية بتكلفة معقولة.
وأشار إلى دور ذلك في تمكين الحكومات أو المؤسسات من تحليل المتغيرات بشكل دوري، فضلا عن اتخاذ قرارات سريعة وفاعلة للحفاظ على الموارد الجوفية بشكل يضمن التوازن بين استدامة المياه والإنتاج الغذائي.
وعودة لمضمون التقرير، فقد خلص إلى أن التغييرات الجذرية في الأنظمة الاجتماعية البيئية الأساسية، "من المرجح أن تحدث إذا لم تتم معالجة المخاطر البيئية".
وأشار إلى تركيز الحلول الحالية التي يتم تنفيذها على التأخير بدلاً من التغيير التحويلي، مسلّطا الضوء على التغيرات في السلوكيات والقيم التي يمكن أن تحقق حلولاً تحويلية، رغم أنها ستتطلب أيضاً جهداً مجتمعياً وشخصياً كبيراً.