تاريخ النشر - 21-05-2024 10:33 AM عدد المشاهدات 17 | عدد التعليقات 0
من حكايات مقهى المغتربين: الكراكرة

الهاشمية نيوز - سعادة أبو عراق
هناك حَمولَةٌ في سنجل تسمى الكراكرة اسم لا يرغب فيه أحد؛ لأنه يحيلك إلى كراكرة القطّين التي تعني الثمار التالفة من التين الذي لا يصلح للاستهلاك البشري، لذلك لا أحد يرغب في أن يقرن اسمه بالكراكرة حتى سعادة أبو عراق أنف أن يكون سعادة كراكرة.
وكما أن العائلات والعشائر دائما ما تحيل نسبها إلى عائلة الرسول (صلى الله عليه وسلم) أو أحد الصحابة أو التابعين كنوع من التأصيل والتقديس فهم في سنجل كذلك فآل غفري ينتسبون إلى أبي ذر الغفاري والعلاونة إلى علي بن أبي طالب والفقهاء إلى جدهم الفقيه لكن من سوء حظ الكراكرة أنه لا يوجد من الأنبياء ولا الصحابة ولا التابعين من كان اسمه كركور أوكركار أو كركر، كي يتيهوا فخرا بالانتساب إليه. ولكن مع موجة التفاخر بالأنساب الرائجة هذه الأيام، وجد الكراكرة أنفسهم منساقين نحو اختلاق المعنى الجميل لاسم حمولتهم واسم جدهم كركور الذي ينتسبون إليه.
لم يسأل أحد من الكراكرة نفسه عن ضرورة الفخر بجده وليس الفخر بابنه وإلا لأصبح هذا التساؤل هروبا من مطلب اجتماعي فقال أحد المتذاكين أن الكركور هو اسم الخروف الصغير ولكن أي معنى جميل في هذا؟ فلم يطرح للنقاش فقام آخر وقال: هي صفة لجدنا فقد كان يكركر ضاحكا ضحكته مدوية مميزة تنتقل عدواها لمن حوله لذلك سموه كركور لكن هذا التعليل لم يقلّ سخفا عن سابقه لأنه ما من أحد من الكراكرة يضحك للرغيف الساخن وتبرع ثان من خارج العائلة وقال: سمعت من جدي أنه أول من أحضر الشيشة من إسطنبول وكان طوال يومه يكركر عليها فرد عليه واحد وقال : إن الشيشة تبربر ولا تكركر وكان الأجدر أن يسمى بربور ضحك الجميع لهذا الرد وكان عليهم أن لا يحاولوا مرة أخرى إلى أن جاء واحد يقول الاسم في أصله كركار وليس كركور وأولاده كراكرة وهذا اسم تركي أو كردي إذن نحن من أصل كردي أتينا في جيش صلاح الدين لتحرير القدس لكن أحدهم جاء من السفر برلك وقال كركار اسم أرمني لا كردي ولا تركي فالكراكرة أرمن.
يئس الكراكرة من إيجاد المعنى المريح القابل لإثارة العزة والفخر وراحوا يتعللون بأسماء عائلات هي شتيمة ومنقصة في لفظها ومعناها مثل العنطوز الطهموس والدرنوش والوزْوَز والجحيش، وما عليهم إلا أن يقبلوه على عِلاته إلى أن جاء واحدٌ من الكراكرة ممن كانوا في أمريكا طويل نحيف ضامر البطن يعلق بنطلونَهُ شيالٌ ملتف على المنكبين يجر رجليه كأنه بهلوان في السيرك يدَّعي الفهم والاطلاع ويفتخر أنه كان يعمل مع الحكومة وما كان يبع على الأرصفة أو يحمل بضاعته على كتفه يجلس دائما في المقهى شامخا يدلي رجلاً على رجل كأنهما رجلا أراجوز يتكلم بأنفة ويشرب القهوة كأنه يشرب الوسكي ويدخن كأنه يعمل دعاية للمالبورو ومثل هذه الشخصية تكون هدفا للاستفزاز فسمع من يقول نحن العمرية من سلالة عمر بن الخطاب سمعه وشعر أنه المقصود فحدجه بنظرة وقال ما شاء الله من الواجب أن نتمسح بأذيالك يا أجرب فقال بلا مبالاة هكذا يقول التاريخ فرد عليه بصوته الأجش المميز، أحق بالإنسان أن يفتخر بعمله لا بالانتساب لجد مُتوَهم فقال له ولماذا تلهثون وراء مفخرة لجدكم كركور فقال لا نلهث فجدي كاركار يعرفه الأمريكان وهو في غنى أن يعرفه أمثالُك فقال له باستغراب جدك يعرفه الأمريكان؟ قال له: نعم... قرأت ذلك في مكتبة الكونغرس وإذا لم تصدق اذهب هناك واقرأ إن استطعت القراءة فقال نحن نصدقك فنحن لا نقرأ لا عربي ولا إنكليزي.
التـفَّتْ حوله المجموعة إياها وقال: لو كنتم سألتم أجدادكم عن جدي كركار الذي سمي على اسم جدنا الأول لافتخرتم به أكثر مما افتخر به أنا كان عليهم أن يخبروكم من الذي بطح البغلة ومن كان يحمي البلد من اللصوص الغزاة في منتصف الليل ومن كان يتصدى لحجارة الطوشات بصدره الذي ترتد عنه وكأنها طابات أطفال فلا تؤذيه ولا تشجّه ولا تؤثر فيه من كان يستطيع أن يمسك الحجارة وهي قادمة ويردها ومن الذي ضرب التينة حجرا فخلعها من جذورها هو ذاك جدي كركار الذي أفتخر ويفتخر به العرب فقال أحدهم : أن تفتخر به أنت والكراكرة فهذا مفهوم أما أن يفتخر به العرب فهذا لا يصدق فقال سأجعلك تصدق فما قلته الآن يعرفه أجدادكم الذين عاصروه وأنكروه أما الأمريكان فسجلوه في كتبهم فقالوا له خبرنا ما كتبه الأمريكان عن جدك فقال: كان جدي يعمل في حيفا عتّالا في الميناء وكان يحمل على كلِ كتفٍ شُوالاً من القمح يسير بهما كأنهما شُوالا قُطنٍ، وكان يأخذ أجرة أثنين لاحظ ذلك قبطانُ سفينة أمريكية فتعجب من قوته الخارقة وطلب منه أن يعمل معه على السفينة فوافق فوظفه مسؤولا على العتّالين لأنهم كانوا متمردين فأصبحوا مثل الأرانب وخاصة عندما علمه الملاكمة ظل معه سنين كثيرة في بلاد العالم فقالوا له وماذا بعد هل أصبح عتالاً عالمياً قال لا تستهزئ جدي أصبح بطلَ أمريكا في الملاكمة أصبح العالم كله يعرف من هو الملاكم كركار أصبح مفخرة لأمريكا فقال واحد وما أدرانا بذلك؟ فقال له بغطرسة أنا أعرف أنك غبي وأعرف أن الذي سأقوله الآن سوف لن تفهمه قال له قل وسأحاول الفهم قال: حدث في ذلك الوقت أن اختَرَعَتْ أمريكا أول سيارة وأرادوا عرضها على شعبهم ولكي يفتخروا بها أمام أوروبا والعالم وما كانوا قد اختاروا لها اسماً بعد فجمعوا كل المشاهير مثل شارلي شابلن وأديسون وفورد وفرانكلن و جدي كركار أيضا بصفته بطلا في الملاكمة كانت السيارة سوداء لامعة ملفوفةً بالحرير لكن الشعب غير قادر على رؤيتها فقالوا حركوها حتى يراها كل الناس فكانوا بحاجة لمن يسوقها ابتعد الحاضرون خوفاً من هذا الشيء الجديد الذي لم يروا مثله أما جدي كركار فتقدم منها واستطاع تشغيلها وراح يسوقها والناس منبهرون به بعض الذين يعرفونه هتفوا له معجبين ومشجعين: كار... كار... كار، عندها قرر الأمريكان أن يسموا هذا الاختراع الجديد (كار) كما سماها الفرنسيون: (اتومبيل). ولو يعرف العرب هذه الحقيقة لرجعوا يسمونها كار التي هي من اسم جدي العربي كركار، ولا يسمونها سيارة.
قام من بين الحضور رجلٌ استوعب الفكرة وصاح الله أكبر لماذا كتمت هذه القصة ولم تحدثنا بها كي نفتخر بالكراكرة ونباهي العالم بهم.
قام رجل آخر وهتف بحماس الآن كلنا سنصبح كراكرة.