تاريخ النشر - 03-05-2024 10:22 AM عدد المشاهدات 72 | عدد التعليقات 0
سفـــرُ دربِــــك

الهاشمية نيوز - فايزة عبدالكريم الفالح
على حين غفلة، قرّر الدرب السفر، مُتخلّياً عن المكان، فالأرض عن أطرافها ما تخلّت، متناسياً الزمان، والغُبّة عن فجرها ما تولت، ما من دربٍ حَزَم أمتعة سفره، ووُجِدتْ فيه تلك القدرة على الهروب، وإن كثر ترحاله، فمهما ركب جناحه، وتولّى عن أمكنته وأزمنته، لن يستطيع خرق جدار ذاكرته للهرب منها، ولن يسطع القفز عنه، وحين يذهب الظنّ بدربك: أنّ السفر البعيد قريب، ما بين شهقة نفَس، وغمضة عين؛ سيتخطى عابراً فلول الوعي، إلى فيافي اللاوعي بمسحة من خيال.
بعُدت على دربك الشُّقّة، ولم يكن سفرك سفراً قاصداً للخروج عنِ المألوف، والسفر للمخيّلة عبر الزمن، قاطعة المسافات الصامتة في النفس، للتجوال في ساحات المخيّلة اللامتناهية... فثمّة تفاصيل، وجزئيّات مسكوت عنها، لطالما لم تُعرْ لها الدرب أيّ اهتمام، ولم تقف عندها راحلة الوعي، هائمة على وجهها في صحراء الواقع، وحين يأخذ الظنُّ بالدرب، أنَّ المرور عن تلك التفاصيل؛ سوف يٌنْجِيه منِ الغرق في سراب اللامبالاة، تحت مسمّى «داوِ جراحك بالإهمال» وعدم الاكتراث بها، وهنا...! عليه الاعتراف بأنّه أوقع خطّ سيره في الهاوية الكبرى، فما من جراح مهما كان حجمها صغيراً، ومهما غَلبَت عليها سِمة الصموت عنِ الألم في بدايتها، لا بدّ لها من علاج، وإلّا ستكبر مع الزمن، وتستفحل حتّى يُسمع لدفق نزفها أنين، ممّا يجعلها وقتئذٍ تستعصي على ضمّادة التناسي؛ لمنع نزفها الدامي، ولن تعود تستجيب بعد لأيِّ مُسَكِّن يُسكتها، ممّا يستدعي الانفلات، فيتداعى لها باقي الجراح المنسيّة بالسهر والحمّى...
وعليه يكون قد وقع ظلم النفس، وهو أشدّ وقعاً ومضاضة من أيّ ظلم آخر، فلنفسك عليك حقّ، فما من إنسان أخذ بدربه لظلم نفسه تجبّراً وجوراً وبهتاناً وزوراً، حتّى أوقعها بالتهلكة؛ ليكون عاصياً متمرّداً على الحقّ، ويكون قد أخرج إنسانيّته عن فطرته السليمة، ممّا يجعله يتعدّى حدود الله، فيظلم نفسه. قال الله تعالى: «وما ظلمناهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون». ربّما يعجز المرء عن سرد ذاته بدون تجميل، وكأنّه يتدارى وراء مُنكّهات آنيّة؛ ليجاري الواقع والمحيطين به، متناسياً سرد ما يعتريه من بعض تفاصيلها المؤرِّقة، حتّى أنّه يصعب عليه رسم ملامحها، وصيغة وجودها على مرآته الحقيقة، وهو الشاخص الوحيد على أناه، والشاهد الوحيد على الضجيج الذي يملؤه، ليصبح الدخول إلى الذات والوقوف عن سرديّات الماضي، أشبه بالمستحيل، الذي لم يكسره حاجز الخلّ الوفي، حتّى بات ضمير المتكلّم بين قوسين، وحبيس النجدين...
إنّ ترسيخ فكرة حضور الذات تكمن بالتحاور معها، وجلبها بكلّ تداعياتها، وإحضار الضمير الغائب فيها، المُهجّر قسراً بغربة البعاد عنها، والإنصات لسماع صوته الخافت القادم من بعيد، القاطع تذكرة الإياب من الغياب، والترصّد لرؤية بصيص ضوئه المنبعث من خلف حلكة الضباب، فإن أرادت دربك رؤية ما هو بالإمكان؛ لابدّ من خوض المستحيل ولّعلّه ليس بمستحيل، وإن طال درب العودة إليها.
أيّها الدرب الغائب عن ذاتك.. وحدك من يملك زمام المبادرة للعودة إليك، مرتدياً حلّة الصبر، مقتنعاً أنْ ثمّة خلايا مفخّخة نائمة بداخلك، على أهبة الانفجار ما بين لحظة، وطرفة عين، موقناً بفكّّ شيفراتها المعقّدة، بحال كنت تملك قوّة إيمانيّة، إنّك تستطيع تفكيكها بمجرّد الوقوف عندها، وتقديم ما هو ممكن؛ لإصلاح ذات البين مع ذاتك! حاملاّ معك حقيبة استطباب نفسك، واضعاً يديك على مواضع آلامك بصدق اللحظة معها، ولا تخاف من التقدّم قدماً؛ بسبب عدوّك.. الخوف الذي طالما استعمر دواخلك الخفيّة، وعاث فساداً بأرضك، وسَلَبَ بيدر الفرح منها، وألوان زهو ربيعك...! ولطالما كان عدوّك اللدود –الخوفَ- يحاربك في نقاط ضعفك، لعدم قراءتك وتفقّهك لذاتك جيداً، ما ولَّد عندك الاستسلام وروح الهزيمة، أمام مرارة الحقيقة التي ترفضها نفسك، من استقبال الواقع وجحافله المريرة، وضرب صروف الأيّام المتتابعة عليك، لمجرّد وقوفك عاجزاً أمامها؛ كونها باعتقادك أقوى منك، ومن القدرة على تحمّلك لها، ممّا يجعلك تحمل دربك، وتهرب بعيداً عن مجابهتها، ووضع الحلول لمعالجتها.
بالرغم من أنّه أمر جليّ أن يُلُوّم المرء نفسه، بسبب أخطاء وقع بها، نتيجة بعض السلوكيّات التي قام بها، ومساءلتها عن أسباب فشل قد مرّت بحياته، وعن ذنوب قد اقترفها بحقه، شريطة أن يضع نفسه أمام محاكمة عادلة، لا أن يحكم عليها بالموت، أو السجن مدى الحياة وأن لا تجعل دربك يقف حائراً عند مفترق الطرق، ما بين النفس اللوّامة، وأختها النفس الأمارة بالسوء، فيختلط الأمر عليك في غياهب الحيرة، والمتسائل أنت! ترى أيّهما أشدّ عذاباً لجلد ذاتك؟، مُتّخذاً دربك إليها.. ممًا يجعل النفس اللوّامة تخرج عنوة عن فطرتها السليمة؛ نتيجة القسوة القاتلة حدَّ الإفراط، مما يجعلها تقع تحت وطأة النفس الأمّارة بالسوء لجلد الذات بسياط السجان الذي بداخلك، حتّى يجعلك تستشعر لّذة الألم بناره الكاوية... وإذ بالسوط يتلوى ويئنّ ألماً، في حين عجزتَ أنت عن الإحساس بألمك!، وكنت عصيّاً أمامه.
عزيزي الدرب.. إنّ محّطاتك كثيرة، وكلّ محطة لها حكاية، ولعلّ أهمّ محطّة على دربك هي محطّة الذات، إذ لابدّ أن تتريّث عندها كثيرا، فلا تأخذك عجلة الحياة منها، ولا تبحث عن أناك المستحيلة في ظلّ الآخر، إذ لا ظلّ يحمل دربك إلّا ظلّك، وخذ الصمت طريقا، وإن صعب عليك الحديث مع غيرك، فالصمت حياة ممتدّة، إذا ما أنصتَّ لصمت ذاتك، وإن مررت أثناء سفر دربك يقول (لودفيج فيتجنشتاين): «عندما لا يمكنك التحدّث، فالأفضل أن تصمت». أخبره على عجالة: إنّ ذاتي أحقّ أن ألجأ إليها بالصمت، لأسعد به، وإن سُمِحَ لي بالحديث مع غيرها.
ولتضرب على مسامع كلَّ الحروف: إنّك موجود مع ذاتك، وتسير على دربها، لأنّك تفكر بصوت عالٍ في سفر دربك إليها، فأنت موجود إذن فيها، ولتردّ على قول (رنيه ديكارت): «أنا أفكر إذاً أنا موجود». ثمّ.. اتل على خطوات دربك: إنّ ذاتك هي الوحيدة التي تستطيع سحبك إليها، ولن تسمح لغيرها بعد الآن أن يسحبك إليه، لتتّفق بعض الشيء مع قول (جويبل سي): «الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يسحبني هي ذاتي». ولتختلف معه كثيرا بقوله: «ولن أتركها تسحبني بعد الآن». بينما قال الدكتور كمال حمود: «كن نفسك، ومِن بعدك مَن تحب». آخذاً حكمته بعين العقل، حيث لن يتمكّن المرء من إعطاء مَن يحب، ولن يكون له يوما؛ إذا ما كان لنفسه، كما أمر الله، فعلى المرءِ أن يعطي نفسه وذاته كلّ حقوقها، ليستطيع بدوره أن يمنح مَن أحبّه كلّ ما يريد، دون إجحاف منه على نفسه، أو انتقاص ما هو ضروريّ على حسابه، وإلّا سيكون عاجزاً تماماً أمامه، وأمام نفسه، فكيف يعطي من هو فاقد للشيء؟
أطول رحلة في الحياة، هي تلك التي تؤدي بنا إلى داخل الذات. والعودة إليها تعني أنّ الدرب سيعود، ولطالما سيقف عند محطّاته المتدارية وراء جنباته، تمشي خطاه مشي الهوينى باتّجاه معاكس، من حيث قرّر الهجرة عن أناه، إلى التيه في صحراء المجهول، والمتاهة في سراديب التغريبة... ليعود أخيرا...! واقفاً عند ذاك الكهل فيه، الذي أكل من كتف الزمان، حتى أكل الزمان من كاهله، لكنّه حتماً هذه المرة سيرى ما كان يرفضه عقله الباطن ناظراً إلى أناه بعين الرضى، متذوّقاً طعم الصبر الجميل، مغتسلاً طهوراً من ماء الصفح الجميل... مرتدياً حلّة ذاك الشاب الطموح فيه، المولع بالحياة، الباحث عن ملامحه المستقلّة، خالعاً عنه جلباب أبيه، سالكاً دربه بكلّ حماسة علّه يضع صمته على صفحات حياته دون استثناء، طارقاً كلّ أبواب التجارب، المفعمة بالخشونة، إذ لابد أن يرى نفسه بين ذبذبات الفشل والنجاح، حتّى تثخن في جراحه دروب الحياة.
ثم.. يجذبه عنفوان ذاك الفتى الحالم، المراهق، المتمرّد على طبيعته، المنعزل على نفسه تارة، المندمج مع من يوافقه تطلعاته ورؤاه، التي ليس لها حد طورا، ذاك الفتى الثائر، الجامح، كلّ مرة يجد نفسه يغزل من تمتمات الرياح بساطاً عجولا، راكباً جناح الريح... لا شيء يوقفه إلّا صورة ذاك الطفل الشاكي الباكي الساكن فيه، الممتلئ بالبراءة، المفطوم عليها حدّ الشبع، الغارق بالعفويّة، الخالي من الأضداد فيها، إذ كان هذا الطفل الانطلاقة الأولى لبداية الدرب.. ليحطّ أخيراً بركاب عودته عنده. وما أجملها من عودة.
هي الذات.. تشتاق: أما آن للدرب أن يعود ويقطف عن غصني عنقودا؟ عد إليّ مسرعا، واطوِ كلّ المسافات التي بيننا، كطي السجل للكتاب، وارمِ من جيبك الرحيل، ثم.. اطلق سراح قافلة المشاعر بالعودة إلى خلجاتها، تعال...! اتبّع كلَّ سببٍ للعودة من التغريبة إلى ديارك، أطرق الباب بوداعة.. بودٍّ، وادخل جنّتك بسلام، اهدني من الطمأنينة كلّها، ومن السكينة مثلها، فكم أنا لأناي عطشى.. ثم.. اتل عليَّ أحسن القصص، حتى أغفو على راحتيّكَ.. ثم أصحو.. على لقاء عطره من العبقِ، لترفع عني وعنك غطاء الأمس، ثمّ.. أخبركَ بهمس..: ها.. عدّتَ إليّ، بعد سفر دربكَ الطويل، بعدما فرّ منكَ عشيرتكَ، وبنوك وصحبك، وأخيراُ صاحبتكَ، يوم لم ينفعك مال ولا بنون، إلّا العمل الصالح القادم مني، ومَرَدَّه إليّكِ. أاااهٍ.. يا رفيقي.. لقد طال سفر دربك.. ولكن.. بعودتكَ إليَّ، قد أطفأت حرَّة الوِدقِ.. فطب عيشا، فالعودة إلى الذات دواء الروح.
أخيراً...! عزيزي الدرب... عليك أن تصنع من نفسك شخصاً لا يحتاج في اليوم الصعب ملجأً، إلّا ذاتَك، فهي الأحنّ عليك، والحكمة تقابلها حكمة : كن نفسك... طالما معك مَن تحب...