-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 24-01-2023 09:29 AM     عدد المشاهدات 138    | عدد التعليقات 0

قبل أن تقلبوا ثيابكم

الهاشمية -

رمزي الغزوي


كانت جداتنا الطاعنات بالمحبة العامرات بالبركة إذا ما قل المطر وتأخر وقاربت الدنيا إلى المحل أو القحط، يعمدن إلى قلب ثيابهن إظهاراً للحاجة والتضرّع، ويقعدن على عتبات البيوت بسكينة ويلهجن بالاستغفار، ثم يحركن الرحى فارغة (حجران دائريان من الصوان يستخدمان لطحن الحبوب)، وكأنهن يجرشن الهواء بدل القمح في إشارة صامتة إلى أننا يا ربنا قد جفَّ الضرع ومات الزرع، فجد علينا بالغيث.
نتوق إلى رائحة التراب الممطور، ونتلهف إلى برق مبهج في أفق المغيب. ونتشوق إلى مطر تنسج خيوطه بهجتنا ومسراتنا، فنصحو على أصابعه الرقيقة تطرق بخفة فوق الشبابيك، ونغفو على زغردة المزاريب المنداحة من أسطح البيوت، وكم نحنُّ إلى هزيم رعد يوقظ سبات الأرض وسباتنا.
تبدلت اشياؤنا، وتغيرت طقوسنا، ولم تبتلَ الأرض وحدها بثقب بالأوزون وبانحباس حراري مقيت، بل نحن الذين انحبست مشاعرنا وتبلدت ولم نعد نحلم بالمطر أو نحس بغيابه وقلته، فقديماً كانت الدنيا توسم (أي ترتوي بالمطر) في أيلول وتشارين وها نحن في أواخر كوانين ولم تتبلل سجادة ترابنا كما ينبغي.
وكان يشيع في قرانا حال تأخر المطر، أن تتجمع بعض الصبايا ويحملن خشبة على شكل فزاعة، يلبسنها ثياباً مهترئة ويشكلنها بهيئة امرأة تسمى (أم الغيث). الصبايا المفعمات بالبهجة وحب المطر والقمح، كنَّ ينطلقن في الطرقات، ويرددن أغنية مليئة بالشجن المجروح، والرجاء المستكين، والابتهال البسيط: (يا أم الغيث يا ربي/ تسقي زرعنا الغربي/ يا أم الغيث يا دايم / تروي زرعنا النايم).
في حمى حياتنا الاستهلاكية الشرهة نسينا حالنا ونسينا المطر، ولم تعد تلك الحسرة على تأخره تنتابنا أبداً، ولا أريد أن نقلب ثيابنا إظهارا للتواضع، بل أن ننزع عنا بعض قشورنا، وكبرياءنا الزائف، وشموخنا الوهمي، فيا ربنا: ندري أننا خربنا الأرض، حتى ضجت بالزلازل والبراكين والأعاصير، وأننا ثقبنا الأوزون، وزدنا الغازات التي رفعت درجة حرارتها وعصبيتها، لكنك ربنا الرحيم، ومولانا الكريم، فاسقنا مطرك القريب!.
هناك دعوة من وزارة الأوقاف إلى صلاة استسقاء عقب صلاة عصر هذا اليوم في جميع مساجد المملكة وفي العادة يقلب الناس ثيابهم خلالها فيجعلون باطنها تجاه السماء تيمناً بأن تنقلب سنة القحط وتتبدل الحال.
ولكن قبل أن نقلب ثيابنا علينا أن نقلب قلوبنا وننقيها ونطهرها ونعمرها بالمحبة.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :