-

كتابنا

تاريخ النشر - 09-01-2022 09:35 AM     عدد المشاهدات 336    | عدد التعليقات 0

من (شق العجوز) إلى وادي عربة .. على خطى أمم وحضارات سادت ثم بادت

الهاشمية - عبد الرحيم العرجان
مسار يستحق أن يسير عليه كل إنسان حيث يجمع بين الخلوة وسحر الطبيعة وما خلدته الممالك في بداية الطريق، إضافةً لروح المغامرة بوجود شقٍ من نوادر الطبيعة في الشرق الأوسط، فإن تم استغلاله، سيصبح قِبلة لعشاق شغف الاكتشاف والمعرفة. كانت نقطة الانطلاق من غرب الطريق الصحراوي وبالقرب من المعقل الأول للدولة العباسية، بعد مرورنا بما تركوه من خرب أثرية لمملكتهم بجوار الاسم القديم للحميمة، عابرين طرق تجارة تاريخية نعتز بموروثها كما كان يتفاخر بها القادة في تلك العصور، بدءاً من صاحب المسلة ميشع الذبياني 850 ق.م إلى أجدادنا العرب الأنباط بطريق القوافل أبان الملك الحارث 52 ق.م، والملوكي الروماني الذي وسع بزمن الإمبراطور تراجان 108م، ونظام المياه النبطي وقناته الشهيرة المجددة بالعصر الإسلامي للعباسين بشقيها الفخاري والحجري المسقوف 26 كم بنظام مائي متكامل آتٍ من عين الجمام والشراه لخدمة الأهالي وحجيج بلاد الشام وأهل التجارة.
شق العجوز
صدع صخري من نوادر الطبيعة وقِبلة جذب عشاق المغامرة والسياحة البيئية النظيفة، يعود بتكوينه الجيولوجي الفريد لعصر الكامبري 520 مليون عام، والذي حدث نتيجة فسخٍ أرضي محدود بجانب تحرّك طبقة صخرية عليا بسبب إما الإزاحة أو زلزال قديم بتقديرٍ على الأقل قبل 500 عام، و لكونه ضمن مجرى سيل هذب الماء الموسمي لجانبيه ومن ثم صقلهما، بذكاء الطبيعة أصبح فيه محاريب وممرات فائقة الدهشة برحلة لن ينساها من يقوم بها لو مرة بالعمر إن لم يعد تكرارها، والذي سوف نفعله بمعية الأصدقاء الذين شدهم ما نشرناه على وسائل التواصل الاجتماعي.
تركنا كامل متاعنا ودخلنا الشق الآخذ بالضيق خطوة بعد أخرى حتى أصبح لا يزيد عرضه على 30 سم، الأمر الذي يجبرك بالمسير بشكل جانبي، ومع تزايد ارتفاعه الواصل إلى 12م وتقوقس جانبيه بشكل لولوبي ووجود الفجوج والكوات التي اتخذت الطيور منها مكامنٍ لبناء أعشاشها، والتي سمعنا رفرفة أجنحتها الفجائية عندما اقتربنا منها، ومع كل خطوة بجوفه يصبح الأمر أكثر جمالاً بخطوط رسوبيات الزمان وما بينها من حجارة بلورية تنعكس مع ما نحمله من مصابيح عندما اشتد الظلام، مع الحذر لقعره والذي لم يتسع لوضع أقدامنا بشكل طولي حيث أي خطأ قد يسبب إلتواءٍ بالمفاصل لضيق المكان، وفي لحظة تشعر أن الأكسجين قد انخفض لأدنى مستوياته في المكان. أنهينا الشق بمراحله الثلاثة والبالغ طوله 2800 م بسعادة لا توصف دون الشعور بالمسافة، لنعود لنقطة البداية عبر الطريق العلوي له فوق القباب الرملية المكملة لجمال الشق أسفلها، وأخبرنا صديقنا -دليل المغامرة- محمد السعيدين أن سبب التسمية يعود لسقوط إمرأة عجوز بالشق ووفاتها، مما ذكرني بقصة مشابهة في لبنان حيث بإقليم الخروب شاهدنا صدعا مماثلا له يحمل نفس الاسم وحكاية العجوز بطول 35 م فقد صنعوا منه قصة سياحية عظيمة.
وادي أحيمر
حملنا متاعنا المتضمن طعاما وشرابا ومعدات احترافية لمسير ثلاثة أيام بشكل كامل، والملائمة لبرودة الجو والمطر لنبدأ مسيرنا متكئين على عصي الارتكاز لحفظ التوازن وتخفيف ضغط الحمل على الساقين، متجهين غرباً نحو الوادي الذي اشتق اسمه من حمرة ماء السيل موسمي الجريان باللفظ المحلي لأهل البادية، بعد دراسة الحالة الجوية التي أكدت أن احتمالية هطول المطر مؤكدة من منتصف الليلة الثانية بعد ظهر اليوم الثالث آخذين بعين الاعتبار شروط السلامة والخروج من قلب الوادي الضيق قبل ذلك حسب البرنامج الزمني المعد بعناية وهو ما تم.
اجتزنا بلدة العباسية ترابية الطريق، مروراً بمساكنها البسيطة لنبدأ بنزول الوادي من مدخله المقابل لجبل زبلية ويرفده وادي الحلوة والجمام وسلسة من التلال رسوبية التكوين أبان البحر القديم، وصخور بيضاء معلقة على الأطراف لتغيير التضاريس حتى تصبح ذو لون كرميدي ودرجات الأحمر بعد اجتيازنا مفترق وادي الزبلية قبل جبلي أحيمر وفليخة ضمن سلسة جبال الشراه، وصولاً لتلال نخيلة ضمن مرحلة مرسمة من درب الأردن بعيدة عن شبكة الاتصالات الخلوية.
وما أثار دهشتنا وجود النباتات وبالذات النخيل بخط مستقيم بطرفة الجنوبي على ارتفاع واحد بين الطبقة الجرانيتية الصلبة والرسوبية التراكمية وذلك لعدم قدرة الماء بالإنسياب بالطبقة السفلى، الأمر الذي كان سببا بوجود عين أحيمر التي سوف نتزود بمائها بعد فلترته بالشعاب المنوي التخيم، والمبيت فيه، ومن غير المستبعد لمجاورتنا للماء أن يزورنا أحد حيوانات المنطقة من غزال الريم أو البدن الماعز الجبلي أو يعاثرنا الحظ بذئب أو ضباع أو الشيب المهجن بتزاوجهما ولذلك تركنا نارنا مشتعلة طوال الليل. وصلنا موقع مخيمنا المنشود فجمعنا حطب موقدنا مما جف من نبات الأثل والعرقد والرتم ولغضا دون كسر غصن أو اعتداء على الطبيعة التي نحن ضيوف عليها وشيء من روث الإبل الجاف لأنه يستخدم بإشعال النار، بنينا خيامنا الفردية المحمولة على أكتافنا وأعددنا عشائنا بما كان معنا من طعام معلبات متقاسمين حبات البطاطا التي تم شيها على الجمر.
ومع الصباح الباكر وبعد الإفطار أعدنا حزم متاعنا لاستكمال الوادي الذي طغت عليه صخور الجرانيت والفرانوديوريت والديوليت بكل ألوان الطيف وما تمازج وتخطط ونقط فيما بينها بجبال وكميات اقتصادية هائلة يمكن استثمارها، بدرب أُحادي آخذ بالضيق دون مهارب لنصل لوادي أركيه.
وادي أركيه
مع وصولنا لمفترق الوادي، أخذت الكثبان الذهبية بالظهور بين الشقوق لنتجه شمالاً نحو وادي أركيه، فهو كثير الشعاب والفجوج والذي اتخذ اسمه بمعنى الراحة والاستجمام، ويعتبر مقصداً لكثير من الأهالي وعشاق المسير والترحال لتعدد مشاهداته وتنوعها.
لنبلغ نقطة تخيمنا مع وصول صديقنا الذي اتفقنا أن يحضر لنا ماء وكنافة وتجهيزات إعداد مقلوبة العشاء على الحطب، لنترك متاعنا عنده ونستكمل مسارٍ التفافي بين الكثبان التي كانت تغوص بها أقدامنا مروراً بالسيق المقابل لجبل غرندل لنعود لبناء مخيمنا بعد مشاهدة غروب الشمس حيث تنسل أشعتها ما بين الغيوم الآخذة بالتلبد والمبشرة بليلة ماطرة.
نصبنا خيامنا في شق مقوّس وبقلب الجبل المعاكس لاتجاه الريح والمطر المتوقع، آخذين بعين الاعتبار أن يكون هناك ميلان قليل حتى لا تتجمع فيها الماء إن نُفذ، وبعد عشائنا وتسامرنا، خلدنا للنوم بليلة مطيرة والتي مرت بسلام كان فيها صوت الغيث المنهمر على الخيام ودوي الرعد ووميض البرق وهرير الريح سيد الليل، ليستمر الودق لعصر اليوم التالي من المسير.
وكالعادة ومع الصباح الباكر بدأ يومنا وخير السماء ينهمر مرتدين ثياباً وعوازل مطرية لم يكن يظهر منها سوا أعيننا، حاملين معنا ما يكفي من الماء وبعض الفواكه المجففة، حيث أخذ صديقنا بقية تجهيزاتنا لتخفيف الحمل على أكتافنا ولإيصالها لنقطة النهاية قرب مركز رحمة السياحي.
وادي عربة
وادٍ طويل يمثل جزءا من الصدع القديم يمتد من وادي خنزيرة حتى العقبة ويعود تشكيله إلى العصر الكامبري والكريتاسي والبلاستوتين، استمد اسمه من الوحشة والجفاف مع أن فيه العديد من آبار الماء الجوفية المعروفة «بالثميلة»، وكان يعبره درب التجارة النبطي نحو صخرة لورنس «المخيفر» بين البتراء وسيناء، الذي ذكره كثيرٌ من الرحالة والمستشرقين بطريقهم بين مصر وبلاد الشام والمقدس وأنشد فيه الشاعر أسد بن الحاجل:
وعَربةَ أرضٌ جَدَ في الشهرِ أهلُها ... كما جدَ في شربِ النُقاخُ ظِماءُ
كان يواجهنا بالمسار شموخ جبل المريقبة، عابرين سلسلة غير متناهية من كثبانٍ ذرتها الرياح، وموّجتها كسواتر ورطبها وزاد جمالها ماء المطر، وما تجمع في القيعان على الطريق وسال بوادي رحمة، وحوار مابين الغيم المغادر قمم الجبال بعد أن أفرغ ما فيه مع العصر.
استكملنا طريقنا نحو مركز زوار رحمة مروراً بطريق قديم مرصوف ومواز لسلسة الجبال والذي أخبرنا أحد الأهالي أنه يعود لفترة الانتداب البريطاني وصولاً إلى العقبة، وبذلك نكون قد أنهينا مسارنا الصعب بقطع مسافة 52 كم هبوطاً 1000م، وبارتفاع 1162م بسلام وبعناية الخالق وحكمة قائد الفريق وتعاون المجموعة الأخوي.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :