تاريخ النشر - 26-09-2021 09:01 AM عدد المشاهدات 1267 | عدد التعليقات 0
حلاق البلد على كرسي الاعتراف

الهاشمية نيوز - لاشك ان كل فرد منا بينه وبين الحلاَّق علاقة شبه منتظمة، تتكرَّر دورياً وفق إيقاع منتظم.. فالحلاق هو الشخص الذي أوكلنا إليه قص شعر رأسنا مرةً، وراق لنا أداؤه، فتحوَّل إلى «الحلاَّق المعتمد» الذي نقصده دون غيره كلما احتجنا إلى قص شعر رأسنا، بل ويكاد الحلاق أن يكون جزءاً من نسيج العلاقات الاجتماعية أكثر مما هو مهني يؤدي عملاً محدداً، وحتى لو لم يتحوَّل محل الحلاقة الذي نألفه إلى صالون ثقافي أو سياسي او اجتماعي، تتضمَّن زيارتنا له نكهة جميلة في الألفة، ونشعر دائماً بالرضا عنها، ولذلك وغيره، فإن حلاَّق كل منا هو دائماً أفضل الحلاَّقين.
في هذا التقرير البسيط، نذهب في دروب «صحيفة الدستور» إلى زيارة أعرق صالون نقصده في هذه الجولة، ونشاهد ما تبقى من أدواته قليلة العدد: مقص ومشط وسيشوار «مجفف شعر» ومرآة وكرسي، وماكينة قص كهربائية وماشابه ذلك.. عندها نسلِّم رأسنا للحلاَّق الماهر العريق كي يقص ما طال من شعرنا ويهندس شكله مثل «عريس الزين» إن جاز التعبير!..
حكايتنا اليوم من أعرق صالونات الحلاقة في وسط البلد على الإطلاق، وتحديدا في شارع طلال بمحاذاة سوق الخضار، حيث تقودك الخطى الباحثة عن الاناقة والرقي والجمال، لتكون بمواجهة صالون الأصدقاء، الذي يشمخ في مكانه منذ عام 1950 ويقدم خدمات الحلاقة المتنوعة والرشيقة لنخبة من الشخصيات والمسؤولين والأعيان والوجهاء، الذين عرفوا المهارة والخُلق الرفيع الذي يتحلى به اعرق الحلاقين العمانيين حنا قرموط «ابويوسف»، ونجله الحلاق الماهر الذي تتلمذ على يديه «وسيم».
من الرملة إلى السلط
«دروب الدستور» نبشت ذاكرة حلاق البلد الثمانيني العم ابو يوسف القرموط، الذخيرة الحية للذاكرة العمانية الجميلة، وقد استرسل بسرد جزء من ذكرياته مع المهنة التي أحبها وعشقها منذ نعومة اظافره.. وقال: اعمل في هذه المهنة منذ منتصف الأربعينيات، وكانت البداية يوم نزوحنا من الرملة في مدينة السلط، بعد ان تعلمت المهنة من والدي الذي كان يعمل بمهنة الحلاقة في مدينة الرملة في فلسطين، ومن ثم انتقل الى السلط ومن ثم في مطلع الخمسينيات انتقلنا الى هذا المكان في شارع طلال وواصلنا معا المشوار.
ويواصل قرموط استعادة شريط الذكريات الجميلة ويقول: عمان في الستينيات من القرن الماضي كانت صغيرة لكنها ايضا كانت كبيرة بأهلها، الذين كانوا اشبه ما يكون بالعائلة الواحدة، وكان في العام 1966 نحو (12) صالون حلاقة في عمان، واعتقد انني آخر حلاق من الرعيل الاول، وكان هناك عدد من الزملاء في المهنة منهم من غيبه الموت وارتبطت معهم بعلاقات محبة وصداقة وزمالة محترمة مثل صالح شقير وبندلي أبومهر «حلاق الشهيد وصفي التل» ونبيل شقير والمحتسب ومروان الكردي وقصيباتي وابوالعبد حجير وإداور بوري واخرين.
استدعائي للمخابرات
يسترسل العم ابويوسف في ذكرياته بالقول: كانت اسعار الحلاقة زهيدة جدا وبـ القروش الحمراء و الشلن و البريزة لكن في ذلك الزمن كانت النقود فيها بركة، والناس كانت متحابة تتكافل في اعانة بعضها البعض.. كان شارع طلال يجسد حقيقة الحركة التجارية.
وتنهد ابويوسف وهو يتذكر في حقبة زمنية سابقة كيف استدعاه مدير المخابرات آنذاك محمد رسول باشا كيلاني واصطحبه الى مستشفى الطلياني للحلاقة لبعض القيادات البارزة في الحزب الشيوعي، بعد ان تم الإفراج عنهم، وقد طلب منه الباشا الكيلاني أن لا يُعلم أحدا في الموضوع إطلاقا وان يدفن كل شيء شاهده في مكانه..
وجهاء وباشوات
وعن ابرز زبائن صالون الأصدقاء يقول قرموط: زبائن الصالون منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي وحتى الان هم من نخب المجتمع العماني يتمتعون بعشقهم للأصالة والعراقة، ويعشقون المكان ومن ضمنهم: مدير المخابرات الاسبق الباشا محمد رسول كيلاني والمحافظ علي البشير ونجله المهندس فواز البشير المسؤول الأسبق في وزارة الخارجية، والأديب البارز إلياس فركوح «مالك العمارة التي فيها الصالون» ووزير الصحة الشهيد الدكتور محمد البشير وأمين العاصمة عصام العجلوني، والمرحوم عبدالكريم المبيضين «ابومعن» بالاضافة للشيخ عبدالحليم النمر واتذكر انه تم استدعائي الى مستشفى المعشر في عمان للحلاقة للشيخ النمر الذي كان يرقد على سرير الشفاء.. وأضاف: عرفت في جميع زبائن الصالون الاخلاق الحميدة والكريمة والتواضع وحب الخير والانتماء الصادق.
مجمل العشق
وعلى عشق ووجد.. وإن رغبت أن تستنشق الهواء العماني منسوجا بذكريات الرضا والصبر، وإن شئت الجلوس على كرسي الأناقة والثقافة والعراقة، فما عليك إلا أن تستعد لمزاج عال من القصص الشيقة والروايات المنعشة التي حفرها شيخ الحلاقين العمانيين واعرقهم على الاطلاق حنا القرموط على رأس كل زبون على امتداد سنوات طويلة جدا، من الاخلاص للمهنة والمبادىء الطيبة، بعد ان تكون قد حلقت شعرك وذقنك لتخرج من صالون الأصدقاء معتقا، منتعشا بـ الكولونيا ونكهة الرشاقة المحببة.. وتمضي مشرقا في شوارع عمان العتيقة وازقتها.. لتبقى دوما «عمان في القلب» وكما بشرتنا فيروز بصوتها الملائكي القشيب: سكنت عينيك يا عمان..