-

كتابنا

تاريخ النشر - 04-12-2020 12:52 PM     عدد المشاهدات 514    | عدد التعليقات 0

التسول

الهاشمية نيوز - فدوى بهجت خصاونة

في يوم ماطر وبينما كنت أسير في أحد شوارع مدينتي تقدمت مني فتاة صغيرة؛ وقد اختفت ملامح جمالها بتأثير التسول والحاجة؛ فبدت تائهة مشتتة، ثيابها ممزقة تنتعل حذاء باليا يتسرب من خلاله الماء إلى قدميها الصغيرتين، تمشي وتتعثر بالمارة وترتجف من البرد، كانت تمد يديها المرتعشتين تطلب نقودا وعيونها تطلب الرحمة والرأفة بها.

تفاصيل وجهها الطفولي البريء لم يتلوث بنفاق الحياة وخبث النوايا، ومن أين الوجه البريء يأتي بالنفاق؟

ولكن القدر كالمنايا خبط عشواء من تصب تقهره وتذله ومن تخطيء كان في سعادة ونعيم.

حتى المطر لم يرحم هذه الفتاة ولم يسعفها الحظ بشيء من الدفء ريثما تجمع بعض النقود علها تتمكن من شراء كعك أو قطعة حلوى تسد جوعها.

كنت أراقبها وقد تولد لدي شعور بالحزن والألم؛ فالأطفال في سنها يعيشون بالدلال يتعلمون، يرتدون ثيابا للنوم وثيابا للمدرسة وثيابا للعيد؛ يدخلون المطاعم يحملون الهواتف يذهبون في رحلات، حتى أن بعضهم يقول طلبت من أبي أن يحضر لي نجمة فجاءني حاملا السماء.

ولكن أي نجمة وأي سماء ستحصل عليها فتاة كهذه؟

من سيرحم هؤلاء الأطفال من سيقدم لهم العون والمساعدة من سيخلصهم من واقعهم؟

كانت الأفكار تحوم في خاطري فتأخذني تارة وتعيدني تارة أخرى إلى ذات الشارع؛ فإذا بشاب يطل من عربته يبدو عليه ترف الحياة ونعيمها يخلع نظارته ويخرج يده ويؤشر للفتاه ويناديها ويعطيها بعض النقود، ويرمقها بعيون كالذئاب المفترسة، ويقول لها : تعالي سآخذك بسيارتي رحلة، ستكونين سعيدة، ولكن الفتاة ضمت يديها ورفضت أن تأخذ نقوده ومضت مسرعة كادت أن تسقط فتبعها الشاب.

وكان المارة يشاهدون كل هذا ولكنهم يتجاهلون لا يريدون الاقتراب لا يريدون أن يتدخلوا.

فالكل يعلم أن التسول مهنة غير نظيفة؛ ولكنهم لا يعلمون معنى الطفولة المشردة، لا يعلمون أن الشوارع تصنع الوحوش والأنياب والذئاب، لا يعلمون أن الحياة كالقطار يلقي بحمولته الزائدة في مهب الريح و تتقاذفها يد القدر.

ولا زالت المنظمات تتحدث عن حقوق الطفل وحقوق الإنسان؛ فمن هو المسؤول عن وضع الأطفال وهم يتسولون وهم يمسحون السيارات وهم يتحملون البرد والحر وهم يُسرقون لتشغيلهم واستعبادهم؟

من هو المسؤول عن معاناة الأطفال وهم يتسكعون بالشوارع تحت أنات المطر وارتجافات البرد؟

لا نريد منظمات لحماية حقوق الطفل كل همها الاسم فقط، ولكننا نريد منظومات وطنية تحقق عيشة كريمة ورقابة، نريد حماية حقيقة للأطفال ليعيشوا أسوياء كباقي الأطفال في هذا العالم المزيف.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :