تاريخ النشر - 08-11-2020 10:48 AM عدد المشاهدات 319 | عدد التعليقات 0
أبــي لا يــعــرف مـدرسـتــي

الهاشمية نيوز - فدوى بهجت خصاونة
ليس من السهل أن تحتفظ بتوازنك الداخلي مع وجود ضجيج خارجي، كما أنه ليس من السهل أن تحافظ على صفاء ونقاء روحك بوجود المكدرات من حولك، وليس من السهل أن تجتاز ما يعيق تقدمك عند تراكم الأزمات في طريقك.
حاولتُ كثيرًا أن أعيشَ طفولتي على سجيتها، ببراءة وشغفٍ وبعضٍ من الشقاوةِ، شأني كما هو حال الأطفال في مثل سني.
أحاول جاهدةً تجاهل ظروفي الأسرية غير الطبيعية وغير العادلة؛ و لكنني وبكلَّ أسفٍ لم أفلح بذلك، فقد كانت الصفعات تتوالى على قلبي المترف بمقتنيات من الظلم والألم.
وحدها أمي حملت همي، وأخذت على عاتقها مهمة اصطناع الفرص، واقتناص لحظات الفرح لتهديني باقة من الأوقات الجميلة.
وفي صباح أحد الأيام المتكررة برتابةٍ، رسمت الشمس ابتسامة عريضة تكفي لطمس معالم البؤس عن وجهي، فصحوت أستشعر حضن أمي، أقبل يديها و أشتم عطرها الدافئ، لأنهض وأرتدي الزي المدرسي، كنت استمع لحديثها الهادئ وكلماتها الرقيقة، و كعادتها غزلت لي بأناملها ضفيرتين أنيقتين، وطبعت على جبيني تعويذة حب لأتزود بها طوال يومي.
كان يومًا دراسيًّا حافلًا بالنشاط والحيوية، دروس جديدة ممتعةٌ، ووقت جميل من اللعب مع الصديقات، ولكن هناك أمر قطع علي اللعب عندما جاءت إحدى المعلمات مبتهجةً، تزفّ لي خبرا سارًا مفادهُ أنَّ أبي جاء إلى المدرسةِ ليسألَ عني، ولربما يود اصطحابي إلى المنزل.
لم أتمالك نفسي، لقد كدت أطير فرحًا لخبرٍ كهذا، أبي يأتي إلى المدرسة ليأخذني إنه أمر مذهل بل إنه الفرح الذي ليس كمثله شيء ، ولشدة سعادتي سارعت لأخبر صديقاتي بالنبأ السعيد : بأن أبي جاء ليأخذني معه؛ فهو يحبني كثيرًا كما أحبّهُ.
نعم، فأنا أحبّهُ كثيرًا، بل ربما أكثرُ مما يظنّ أو يتخيل.
كيف لا ؟
وهو أولُ رجلٍ في حياتي، إنه السّند والملاذ وأنَّه الشخص الوحيد الذي سيحمل همي إلى آخر العمر، وبيده الحنونة سيزفني إلى بيت زوجي حين أكبر، سيفرح لفرحي ويتألم لألمي، فالبنت قطعة من القلب، فهل يفرِّط أحد بجزء من قلبه ؟
وراحت مخيلتي ترسمُ مشهدًا أبويًّا جميلا للقاءٍ طالما تقت إليه في قرارة نفسي، وتزاحمت أفكار اللقاء والاقتراب من أبي.
وقفت إلى جانب معلماتي بذهول ودهشة، كنت أنظر إليه باندفاع وهو يرتدي نظاراته الشمسية؛ هل سيتمكن من التعرف إلي من خلال نظاراته السوداء أو أنها ستحجب عنه رؤيتي.
تخيّلته حينها أجمل رجل في العالم، ورفعت رأسي عاليًا أتهيأ لاستقباله.
لكنه....
لكنه خذلني كعادته، كل ذلك السيناريو الجميل كان يدور في قلبي.
إنه قلبي وليس عقلي، من يصر على التماس الأعذار، وخلق الفرص، لكني استيقظت الآن من دوامة الأحلام، على الحقيقة المرّة التي أعيشها يوميا.
إنه لم يأت لأجلي، بل جاء للسؤال عن أختي غير الشقيقة، وما لبث أن رأيتهُ يحتضنها، ويطبع قبلته على وجنتيها، يداعب شعرها ممازحًا إياها، ثمّ اصطحبها ضاحكا مستبشرا غير آبه بي.
تسمّرت قدماي في الأرض، كنخلة عصفت بها رياح القسوة وخيبة الأمل، فلم يبق منها سوى جذع مائل، و أن السند الذي بنيتُ أحلامي بمجيئه، أطاح بجدارن استنادي كلها فتلاشت معالم الأشياء من حولي، واختفت جميعُ الأصوات، بدت لي الدنيا ضبابية، بل مظلمةً وظالمةً ا?كثرُ مما ظننت.
وفي محاولة بائسةٍ للتظاهر بأني على ما يرام، عدت إلى صفي محاولةً نسيانَ ما حدث، ولكني أبصرتُ نظرات الشفقةِ في عيون صديقاتي ومعلماتي؛ لا أظن أنّ أحدا لدية أدنى ذرة من الرحمة قادر على استيعاب موقف كهذا أو تصديقه.
ولأن الزلزال له توابع فلا زالت الاهتزازات تضرب قلبي وتحرك ألمي، وخاصة عندما أخبرت أمي بذلك؛ فسألته لماذا تنكر ابنتك وتتجاهلها ولا تهتم بها كما تفعل مع أختها ؟
فأجاب بكل برود: أنا لا أعلم إن كانت ابنتك بنفس المدرسة.
بالنسبة لي كان هذا الجواب أقسى من الضرب.
أبي لا يعرف مدرستي ويعرف مدرسة أختي.
أبي لا يعرف اسمي ويعرف اسم أختي فقط.
هل جاء إلى مدرستي ليخبر الجميع بأنه لا يذكرني ؟
أي حزن وأي وصمة عار وخجل أهديتني إياها لتوك يا أبي ؟
قرأتُ ذات يومٍ حكمةً تقول:» أعظم الناجين حظاً أولئك الذين يسعفُهم القدرُ بتخطي خيبةِ ظنهم».
فهل يسعفني القدر يوما كي أتخطى هذا الكم من خيبات الظنون؟