-

كتابنا

تاريخ النشر - 07-10-2020 11:02 AM     عدد المشاهدات 429    | عدد التعليقات 0

فسحة على الورق

الهاشمية نيوز - ناصر الريماوي

(الطريق إلى بلحارث):

كان هذا في سبعينيات القرن الماضي بين جبال تهامة وأهلها، وحتى روافد وادي بيان وتحديدا في قرية «خيرية»، حيث عاد من هناك الروائي الكبير «جمال ناجي» كغيره، ولكن بعد أن أبقى على ظلّه القاسي الذي لم يتبدل، لينوب عنه في البقاء، بعد كل تلك السنين.

ظلّه الذي لمْ يزل يراه أغلب الناس أو يلمحونه وهو يجتاز المسالك الوعرة في الوصول إلى المدرسة الوحيدة في القرية المنسية «مدرسة بلحارث الابتداية».

لم يتبدّل ظلّه مثل الظلال الأخرى، العديدة، أو يفنى كخيال عابرعلى جدار، بل بقي حاضراً حتى يومنا هذا، رغم كل شيء.

رغم تهدم المدرسة، أو كما قيل عن انتقالها إلى القرية المجاورة، «حدبة الغبيراء»، وتغير اسم المدرسة إلى «الطفيل بن عمرو»..

رحل الروائي عن هذه الحياة وبقيت روايته المرآة ماثلة في الذهن بتلك الحدّة الطارئة لملامحنا، عصيّة كالنقش، وهي تربض لنا، كحجر ملقى على طرف الطريق الطويل، يحدّق فينا طويلا ويحاول أن يسند هذا الاغتراب.

(شارع الأميرات):

كنتُ لا أزال في قعر البئر الأولى.

استدرجني إلى حافتها «جبر إبراهيم جبرا» ذات ميلاد عاصف

في بيت لحم، تركني أصغي لوقع أجراس الكنائس في العتمة، حتى سقطت.

كنت أراه وهو يطل من فوق التلال الخضراء الكثيفة، ويرسل بصره متشفيا بنشوة البحث نحو البحيرات والسهول الشاسعة، المترامية في ربوع الريف الانجليزي، مأخوذا بالتداعيات نحو قصائد «وليم وردرورث» ولا يأبه للبئر.

انتشلني، فوجدت نفسي تحت شجرة «كاليبتوس» ظليلة كانت تحدق بنا على الطرف الآخر، الطرف المقابل لشارع الأميرات في حي المنصور، ببغداد.

رأيت «جبرا» يومها يخف السير نحو مضمار الخيول الفسيح، ليطل على بغداد الجديدة من هناك، ويفكر، ربما كان يفكر في قصة أو رواية، وكان يقف بغليونه المتأجج بأدخنة التبغ على بعد خطوات مني، ظل يرنو حتى أوشك أن يغفو، ناديته، لم يجب، كان لا يراني. صحت بأنني ما زلت في قعر البئر، بئر سيرته الأولى.

انتشلتني يد أخرى لم تكن لجبرا، وكان كل شيء قد تضاءل أو تبدل، تغير كل شيء مع الوقت، بين قعر البئر الذي لم يعد بمقدار قعر غليون «جبرا»، ورحابة الدنيا.

حتى جبرا نفسه.. كان قد تغير.

(صحراء إبراهيم الكوني):

في عالمه السردي، تخرج الصحاري عن جغرافية الرمل والمدى، تماما، لتغدو ثنائية السحر في المعنى، بذلك التناسل المبهر وتلك التعددية في الجهات حول أفق فسيح يطارد أفقا آخر، ولا يستقر على حال.

حيث يبدأ المطاف من شق خيمة نحو سلّم الخفاء، ولا ينتهي ابداً.

المدى الفسيح المغبّر، الموشى بالسراب، ينقلب إلى طير يحكي على يديه، وقد يبوح بالنبوءة، رياح المواسم تقارع الغيم وقد تعيق هجرة المطر، أو تغزو الكهوف الصخرية وتنبش تحت أشجار الطلح، كل هذا في البحث عن أسطورة، عن ناموس جديد، عن فيض نور يوثق للإرادات المنبعثة من رحم العذاب الأزلي، عذاب المرء في كينونته الممتدة عبر الصحاري وحتى آخر الدهر.

السّحر ليس مبتذلا، فهو يطفو بواقعية غريبة، فيه سرّ، ربما هو سرّ الخروج إلى المتاهة، حيث المتاهات جميلة، وغريبة، لكن كيف ذلك؟ الواحات زوايا مهجورة يفرّ منها الليل، فيما يأوي إليها المسافر، ذلك التائه البغيض.

المرأة، سماء ثانية وربما ثالثة، حتى حين يدوسها العرف أو تسحقها العادات، تبقى عالية، وبعيدة.

الرحيل أو البقاء رهن بكلمة، وربما بفكرة، بواو الصغرى، أو الكبرى، بداهية الشّعر في الأوردة، في التقولات الطائشة، في ازدواجية المرء وارتهانه لمخلوق أبلق، وفقا لتلك الثنائيات يكون الرحيل من صحراء لأخرى، ربما تشبهها جغرافيا، لكنها تختلف عنها حد المصير.




وسوم: #فسحة#على


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :