-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 10-10-2018 10:18 AM     عدد المشاهدات 175    | عدد التعليقات 0

(دوبح)

الهاشمية - نادر رنتيسي



"دومِحْ".. أحرفها عربية، ونطقها يبدو كذلك، وتُفيد بفعل آمرٍ: "انحنِ".
كانت تقولها أو تأمرني بها أمّي قبل ربع قرن زائد. تضعُ رأسي على المغسلة المنخفضة، وتكررها "دومح". لم أكن أعرف معناها، وما كنتُ أقوى على تكرارها، فقد كان مجرّدُ سماعها يُصيبني بالدوار، لكنّي كنتُ أستجيبُ على غير ما عرفتُ به من عناد، بل وأزيد الانحناء. لم يكن لدينا ماء سوى في يوم واحد من الأسبوع، لذلك كان الاستحمام قليلا، وكانت الأوامر "الأموية" أنْ نغسلَ رؤوسنا حتى لا يصعد إليها الدود من الثلاثاء إلى الأربعاء..
نعم "دومحت" أي انحنيت، وزدتُ في الانحناء.. لكنّ الأمر كان لأمّي.
وهناك أيضاً "دوبح" وفي التفسير العامي قد تعني المشي أو الحبو، وربّما الوقوف على الركبتين واليدين معاً، وهذا ما أفادني به السيّد الخدوم غوغل بعد ربع قرن زائد من حيرتي في الكلمة التي لا ترد الآن إلا على لسان النساء القديمات في ريف رام الله، أما الصفحة الثانية من البحث الإلكترونيّ، فأخبرتني أنّ المفردة الغريبة مسموعة أيضاً في حائل السعودية. لم أبحث في صفحات أخرى، فقد خشيتُ أن أقرأ مَعاني مُعيبة، أو تذهب بي جذور الكلمة إلى جنوب شرق آسيا، وأجدها هناك في جملة قصيرة مفتوحة على التأويل بـ"السنسكريتية".
منذ أن صارت المياه دائمة في بيتنا، لم أنحنِ.. حتى لتقبيل كفّ أمّي.
وأنا بالأصل قصيرٌ، أو أبدو قصيراً كالألف غير الممدودة، مترٌ وثمانية وستون سنتيمتراً، فلم أكن مضطراً للانحناء عند دخول الأبواب الخشبية، أو للسلام على الصغار الذين يظنون أنّي أكبرهم قليلاً. مشيتُ ربع قرن زائدا من دون أن أخشى على رأسي من الاصطدام بالتلفاز المعلّق وسط قاعة الاستقبال، أو بحبال الغسيل في الطابق الأرضي، لم أتحسس رأسي لأنفض مخلفات عش العصافير على الشجرة الخرفة، ظللتُ منتصباً كالألف غير الممدودة، ولم أنحنِ حتى حين كنتُ أمرُّ بزهو أسفل "قوس النصر".
مررتُ بجانب الشرطي، وكتفي كانت بموازاة كتفه، ثمّ صافحتُ المحقّق كما يتصافح عدوّان في أيّام السّلم المُشمِسة. أرباب العمل كانوا يفضّلون استدعائي للعبة كسر العظم، ويكفي أنّي قبل سنتين من التقاعد لم أشكُ حتى من ديسك الرقبة. نساء كثيرات دخلن قلبي لغاية واحدة فقط: أنْ أمشي في طرق الإياب ناتئ الظهر، واليوم رغم تشابك الطرق لا أعرف منها سوى الذهاب و"منتصب القامة أمشي"، من بلد إلى وطن، ولم يسقطني الضرب ولم أترنّح تحت الضرائب. ذهبتُ إلى "الجيم" لرفع الكتف، وتصليب الصدر، وشدّ الظهر والبطن، ثمّ التقطتُ صورة أخيرة..
.. ولولا انقطاع الماء قبل ربع قرن زائد ما كنتُ انحنيتْ!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :