-

كتابنا

تاريخ النشر - 15-09-2021 09:11 AM     عدد المشاهدات 351    | عدد التعليقات 0

دمعة متأخرة

الهاشمية - نايف النوايسة

على من تَذْرفها الآن؟
وأنت الذي كنت عصيّاً على البكاء نهار توفيت زوجتك!
وأنت من كنت لا ترى الناس وتعدّهم زيادة على الأرض! تريد أرضاً خاصة لك، وأدبرت عن العالمين كل الإدبار.
كم يدهشني منظرك وأنت مختبئ وراء الباب الخارجي للمطعم وتنظر من طرف خفي مرعوباً وتخشى أن يلمحُك من شقوق الباب بعد أن سمعت تهديده ووعيده، ورأيته بأم عينك يكسر كل شيء كالريح العاتية.
آه من الأيام يا صاحب الجبروت! كنتَ حين تمشي في الشوارع لا ترى أحداً أمامك، ويستخفّك الكِبْر ولا ترى نفسك إلاّ في شاهق، والناس بين يديك أشياء مهملة ولا يظفرون منك بتحية أو ابتسامة.
الله، الله، ولا يرى منك الآن إلاّ عينان خائفتان.. وبيدك سندويشة بائسة تقضمها مثل جرذي مطارد ووجد ملاذاً مؤقتا وراء هذا الباب.
ذهبت البنات إلى الأزواج وذهبتْ الزوجة للتراب، وكبُر الأولاد وتعلموا وساروا في مسارات خاطئة، وأنت تراهم وتفخر بهم، ولسان حالك يقول: لما لا، يَطلعُ لهم أليس أنا أبوهم، ليفعلوا ما يريدون.
ولم تدرك أن ما أنت فيه موجع حين فقدتُ زوجتك ولم تأبه!
أي قسوة هذه التي تسكن قلبك يا رجل! الدار فراغ قاتل، لا أصوات ولا نداءات، ولا عوالم خاصة للبنات، ولا عبث متواصل للأولاد، فقط أنت وحدك، تدخل وتخرج كاللص، وقلما يدري بك أحد لولا هدير سيارتك الذي يجذب النساء والأطفال في الحارة ليروك وأنت تغادر أو تعود.
هذا اليوم بالذات هو يوم مشهود عند الجميع الذين يرونك قد هرمت ألف سنة، ملابسك كالحة ووجهك مزْرَقّ وعيناك تدوران كعيني ضفدع خائف وحذاؤك الذي ما رأوه يوماً إلاّ لامعاً قد تهرأ وبات محزناً.
هذا اليوم هو الجمعة، الناس يتجهزون للصلاة وأنت تجلس عند البوابة تدخن بنهمٍ، وتتلفت يمنة ويسرة مثل حرباء تبحث عن فريسة، وقد جفّ ريقك وتوارت حركاتك التي تنم عن قلق من شيء مزعج سيحدث، ثم مضيت إلى المطعم القريب لتأكل سندويشتك الفقيرة وتدخن مثل أي متشرد.
ولمحتَهُ من بعيد قادماً تسبقه أصواته العالية المشتتة، فارتعدتْ فرائصك وزاغت عيناك، في حين يقترب ابنك الكبير من مخبئك.. هذا الابن الذي تجاوز العشرين بقليل أدمن المخدرات وصار يفتش عنك في كل مكان، يطرده دمه الملوث وخلاياه المسكونة بالمخدر وتحثُه لأخذ جرعات هذا السم.. ابنك هذا يبحث عنك بلهفة شديدة وصخب لافت لتعطيه مبلغاً من المال ليشتري به ما يسكت عواء هذا السم الذي استوطن جسمه مبكراً تحت عينيك، والأنكى من ذلك هو أنك كنت تتباهى بهذا الابن.
وتختفي وراء الباب كي لا يراك. ويسأل عنك كل الذين في الحارة، ويتبرع طفل رآك من بعيد فيدله عليه، فيهإول ابنك ويمسك بك من كتفيك ويجرك.. انه خارج دوائر الوعي، وليس له علاقة بأي شيء يتصف بالأبوة، فهو لا يعرف العيب والخجل.
خرجت صاغراً كالفأر وأعطيته ما معك.. كانت عيناه تحلقان خارج الإحساس ولا يرى شيئاً، ولا يدري ما الذي يفعله.
انصرف كالمجنون.. تبتلعه الشوارع إلى أن وجد نفسه في مرفأ السم الذي سيجد فيه ما يسكت خلاياه التي تصطرخ.
وقفت أنت في وسط الشارع مذهولاً، وتبكي كالصغار.. أنت الآن تبكي كالصغار، فأين كانت دموعك هذه حين ألحت عليك مواقف الالم بأن تنثرها في كل لحظة..
دمعاتك متأخرة كثيراً، كثيراً.




وسوم: #دمعة


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :