-

مانشيت

تاريخ النشر - 13-09-2026 02:13 PM     عدد المشاهدات 148    | عدد التعليقات 0

الوجه الإنساني للدولة .. قراءة في حديث مدير المخابرات ببيت عزاء الشهيد

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
في لحظات الفقد، تظهر حقيقة الدولة كما هي، بلا مساحيق ولا بروتوكول، هناك، في بيت عزاء فقد فيه الأردنيون ابنائهم، لا يعود المنصب وحده مهما، ولا تكفي البيانات، بل يصبح حضور الدولة نفسها هو الرسالة، وعندما يقف مدير المخابرات العامة بين أهل شهيد، يتحدث إليهم مباشرة، ويشاركهم وجعهم، فإن المشهد يتجاوز التعزية والمواساة، ليكشف عن معنى أوسع: مسؤول جاء من موقع الدولة، لكنه وقف بين الناس، من الناس.

في المشهد الأردني، هناك مواقف لا تحتاج إلى كثير من الشرح حتى تقول ما تريد، يكفي أن ترى مسؤول لجهاز أمني رفيع يقف في بيت عزاء، بين اهل شهيد، ويتحدث معهم مباشرة، حتى تدرك أن المسألة تتجاوز حدود التعزية والمواساة إلى معنى أوسع يتعلق بصورة الدولة وعلاقتها بالناس.

حديث مدير المخابرات العامة اللواء أحمد حاتوقاي في بيت العزاء يستحق القراءة، ليس باعتباره حديث مسؤول أمني رفيع فحسب، وإنما باعتباره صورة من صور الدولة وهي تقترب من المجتمع في واحدة من أكثر لحظاته قسوة.

فهو جاء إلى بيت العزاء بصفته مسؤولا، نعم، لكنه وقف هناك أيضا بصفته واحدا من الناس، وهذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها.

فالمسؤول عندما يغادر مكتبه، ويذهب إلى بيت مواطن فقد ابنه، ويقف أمام اسرته ويتحدث معها وجها لوجه، فانه لا يلغي هيبة الدولة، بل يمنحها معنى آخر ، هيبة الدولة لا تكون دائما في المكاتب المغلقة، ولا في القرارات والتعليمات، ولا في المسافات التي تفصل المسؤول عن المواطن، أحيانا تكون الهيبة الحقيقية في أن تكون الدولة قريبة من الناس، حاضرة بينهم، تعرف وجعهم، وتشاركهم لحظاتهم الصعبة.

ومن هنا جاءت كلمات مدير المخابرات العامة واضحة ومباشرة، حين تحدث عن الأردن وابنائه من شماله إلى جنوبه ، وعن القوة التي يستمدها الوطن من شعبه وعشائره، وعن الوفاء لتراب الأردن وقيادته الهاشمية.

هذه ليست مجرد عبارات تقال في مجلس عزاء، هي في جوهرها إعادة تذكير بمعادلة أردنية راسخة: الدولة ليست بعيدة عن المجتمع، والمؤسسات ليست منفصلة عن الناس، والمسؤول مهما ارتفع موقعه يبقى في النهاية ابنا لهذا الوطن، يحمل مسؤولية تجاهه وتجاه ابنائه، وهذا المعنى ليس جديدا على الأردن.

فمنذ بدايات الدولة، ارتبط النهج الهاشمي بفكرة القرب من الناس، والنزول إليهم ، ومشاركتهم افراحهم واتراحهم، والاستماع إلى شكواهم، والوقوف إلى جانبهم في الظروف الصعبة، وعلى هذا النهج تربى المسؤول الأردني ؛ ان الموقع العام ليس امتيازا يعزل صاحبه عن الناس، بل مسؤولية تجعله أقرب إليهم وأكثر احساسا بقضاياهم.

ولذلك فان صورة مسؤول كبير يقف في بيت عزاء بين أهل الشهيد ليست صورة عابرة، انها صورة تختصر كثيرا من معاني الدولة الأردنية، مسؤول يأتي من موقعه الرسمي، لكنه لا يتحدث من برج عاجي، يقف بين الناس، يسمعهم ويخاطبهم بلغتهم، ويقول لهم بصورة مباشرة ان ابنهم الذي فقدوه لم يكن ابنا لبيت واحد فقط، بل ابنا لوطن كامل،وهنا تظهر قوة المجتمع الأردني أيضا.

فالاردن في لحظات الشدة لا يعرف كثيرا من المسافات، عندما يرحل شاب وهو يؤدي واجبه، يتحول الحزن من حزن عائلة إلى حزن وطن، وتصبح بيوت العزاء مساحة يلتقي فيها المجتمع والدولة والمؤسسات والناس حول معنى واحد: إننا جميعا شركاء في هذا الوطن.

وهذا الترابط ليس تفصيلا اجتماعيا بسيطا، بل واحد من أهم عناصر قوة الدولة، فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تملك مؤسسات قوية، وانما تلك التي تمتلك أيضا مجتمعا يشعر أن مؤسساته قريبة منه، وأن مسؤوليه يعيشون بينه، وأن الوطن ليس فكرة مجردة، بل علاقة متبادلة بين الناس والدولة.

ولعل أهم ما في حديث مدير المخابرات انه لم يكن حديثا عن مؤسسة بعينها، بقدر ما كان حديثا عن الأردن، عن وطن يعرف أن قوته بابنائه، وأن تماسكه بتماسك مجتمعه، وأن مؤسساته مهما بلغت قوتها تبقى بحاجة إلى الثقة التي يمنحها المواطن لدولته.

ومن هنا يمكن فهم الحضور الرسمي في بيوت عزاء شهداء الواجب على أنه أكثر من موقف انساني،انه رسالة قوة.

رسالة تقول ان الدولة حاضرة، وان مؤسساتها متماسكة، وأن المسؤول ليس بعيدا عن المواطن، وأن المجتمع الأردني ما زال قادرا على أن يقف صفا واحدا عندما تشتد المحن.

وفي زمن تتسارع فيه الأزمات من حولنا، وتتعرض المجتمعات لاختبارات صعبة في الثقة والانتماء والتماسك، يصبح الحفاظ على هذه الصورة الأردنية أكثر أهمية من أي وقت مضى، مسؤول من الناس، وبين الناس، وفي خدمة الناس.

هذه ليست جملة للاستهلاك الإعلامي ، بل واحدة من أبسط صور الدولة التي يعرفها الأردنيون ويثقون بها، وربما لهذا السبب تحديدا، كان حديث مدير المخابرات من بيت العزاء أكبر من مناسبة عابرة؛ لأنه وضع المسؤول في مكانه الطبيعي: قريبا من الناس، شريكا في وجعهم، وحاملا لمسؤولية وطن لا يقوى الا بتماسك ابنائه.

وهكذا تربى المسؤول الأردني على معنى الدولة، وهكذا حافظ الاردن على واحدة من اهم معادلات قوته: قيادة قريبة من شعبها، ومؤسسات حاضرة بين الناس، ومجتمع يعرف أن الدولة دولته، وأن الوطن لا يبنى من خلف الأبواب المغلقة، بل من الشارع والبيت والمؤسسة وبيت العزاء، ومن كل موقف يشعر فيه الأردني ان وطنه واقف إلى جانبه.

وهنا تحديدا، يصبح بيت العزاء أكثر من مكان للحزن

يصبح شاهدا على حقيقة أكبر : أن الدولة التي تكون بين الناس في أصعب لحظاتهم، لا تزيد قربا منهم فحسب، بل تزيد قوة وثباتا؛ وأن المسؤول الذي يعرف انه من الناس، سيبقى قادرا على أن يكون في خدمتهم؛ وأن الوطن الذي يجمع الدولة والمجتمع على معنى واحد، يصعب كسره.

هذه هي الرسالة التي يجب أن تبقى: في الأردن ، المسؤول من الناس، والدولة بينهم، والوطن أولا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :