-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 06-01-2019 10:48 AM     عدد المشاهدات 48    | عدد التعليقات 0

حارقو الأحذية القديمة

الهاشمية -
رمزي الغزوي


إذا كانت السلطات الإيرانية قد فشلت في تحديد مصدر الروائح الكريهة التي ملأت العاصمة طهران نهاية الأسبوع الماضي، فلن يفشل أي واحد منا، يقوم بجولة في قرانا في هذه الأيام، أن يحدد سبب الرائحة المماثلة، لما في طهران. إنها المدافئ آكلة كل شيء.
ولولا خشيتي أن أتزحزح عن جادة الصواب، لقلت إن بعضاً من قرانا وجيوبنا العامرة بالعدم والفقر، باتت تنافس العاصمة المنغولية (أولان باتور) بالتلوث والهباب، ذات التلوث الأعلى عالمياً، وتتفوق على طهران بكل يسر بغيوم التلوث والروائح الكريهة.
إنهم في مدافئهم يوقدون كل شيء: حطباً، فحماً، أحذية قديمة، وبساطير، كرتوناً، فوط أطفال معمرة، بلاستيكاً، جفتاً، زيتاً محروقاً. إنهم يوقدون كل قمامتهم، حتى آخر كيس بلاستيكي، ويوقدون كل ما تصله أيادي البرد.
في صقيع أربعينية الشتاء لا أريد أن أعيد اقتراحاً قديماً اطلقه أحد البطرانين ينصح الأردنيين، أن يهاجروا مطلع كل شتاء، إلى النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، كما تهاجر الطيور، بحثاً عن مواطئ الدفء، كي نقلِّص فاتورتنا النفطية المتغولة، لأنه اقتراح لا يرش إلا سكراً بارداً على الموت، وينسى أن الفقر ليس له أجنحة تطير.
الفقير لا يفكر في التلوث، ولا يأبه بغيومه السوداء، ومستوياته العالية، ورائحته الكريهة، ولا يأبه بأن قطع شجرة معمرة من غابة مجاورة، يحرمنا من الأوكسجين والرطوبة، ولا يفكر في أضرار الغازات المنبعثة من احتراق الكاوتشوك والنايلون والقمامة. فكل شيء في سبيل الدفء يهون، وقد قال قائل منهم: نريد أن ندفئ صغارنا، حتى لو أشعلنا دفوف ظهورنا، واعوجاج أضلاعنا.
كثرت الأصوات المطالبة بإنصاف هؤلاء الصامتين، الذين ترعبهم وتزيد ارتجافهم أسعار تنكة الكاز، وجرة الغاز، وفاتورة الكهرباء، ولهذا لجأوا إلى إحراق أي شيء متاح.
فلماذا لا ننظر إليهم نظرة دفء وحنان، ولماذا نعتقد أنهم سيبقون على قيد الصمت طويلاً، وأنهم ينامون متكورين على هواجسهم، حالمين بقصائد الشبع والدفء، وبين القصيدة والقصيدة ينفثون شخيرهم الحار، الذي يكفيهم.
أيها الدافئون، أصحاب المواقد الحارقة لكل شيء، لديهم من البرد ما يكفي لنعتقد أن حلمهم مبلول، فالتفتوا إليهم في هذا البرد.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :