-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 07-11-2018 10:36 AM     عدد المشاهدات 107    | عدد التعليقات 0

رصيد كاف من الحياة

الهاشمية - نادر رنتيسي



لا أحكمُ إغلاق الباب، أتركه رخياً، يستجيبُ لاندفاع قويّ لعُنصريْ أمن بلباسٍ مدنيٍّ رثٍّ. "ولا حركة"، يقولُ رجلٌ بهيئة ضابط سينمائيّ، فأرفعُ يديّ مستجيباً، كأيِّ متهمٍ بريء، يأمر الضابطُ عنصري الأمن بجلبي إلى "البوكس" الأسود، توضع "الكلبشات" التي لا شكّ في حقيقتها في معصميّ، ترمقني بشفقة جارة أوهمتها بأنِّي "رجل مهم"، ويبدو أنّ خاطراً غريباً وسوسَ لها بأنْ تكون "زوجة"، ولا تدري أنني ذاهبٌ "وراء الشمس"، إلى زنزانة لا يدخلها الحب.
ماذا لو حدث شيء رهيبٌ في هذه الليلة الصماء. أنتظر لصاً خبيراً، مكشوف الوجه، يصوّب نحوي المسدس الصاعق، فأنبطح بأمره، وأساعده على تكبيل حركتي بأسلاك الهاتف، ويُكمِّم فمي بجوارب نتنة، يسلبني الساعة الثمينة (هدية حبيبة كانت تظن أن حبنا بحاجة إلى قليل من الوقت)، ولا يسمح لي بالكلام إلاّ لألقّنه الرقمَ السريَّ للخزنة، أستجيبُ لأنّ لديّ رصيدا كافيا من الحياة، حتى أستكمله ينبغي أن أفرِّطَ بعملات أجنبية، وأوراق تخص بضائع قادمة من البحر. لكن لا شيءَ حدث الليلة، أغلقتُ التلفاز بعد أنْ تأكدت من موت اللصِّ، وتوبة الضابط، في الفيلم المضطرب.
لا شيء أبداً يحدث في الداخل، فأقرِّرُ الخروج، أتعمّد نسيان بطاقة الأحوال المدنيّة، هذا ما يجعل أمر بياتي في المخفر مؤكداً، بمجرّد أن أمرّ متعمّداً بنقطة تفتيش مرتجلة عند بؤرة سكنيّة ساخنة، لا أحاول تجاوزها، أقتربُ كانتحاريٍّ يُغنّي للموت، فهذه ستكونُ "ليلتي" الأولى في النظارة بمعيّة نخبةٍ من "رفاق سوء"، لكنّ الضابط المناوبَ يتجاهلني تماماً، كأنني طفلٌ في الخامسة في صفِّ مستقبلي العزاء. وبإشارة من كفه العصبيّة، أمشي خارج الحاجز الحديديِّ، مخذولاً مثل عجوزٍ أعيدَ عن باب التطوِّع للحرب.
لا صاحب أسبقيات يباغتني بصفعة مركّزة على العين اليمنى، لا امرأة تبتزّني لأكمل مبلغاً غير متفق عليه بعِقْد يحرسني من الحسد، ولا مظاهرة صاخبة تمر بجانبي وتحثني على هدم الجدران واستئصال الآذان منها. أمشي كأنّي في ساحة مدرسيّة في حضور المُعلّم "المهيب الركن". ليلة باردة، أرمي السلام على عابر سبيل، فينعطف يساراً، يتجاهلني الناس، الناس الذين يمشون ذهاباً، أو إياباً، أو في محطة الباص العمومي، يتفادون النظر إليَّ ويدندنون بأغنيات دارجة، كأنّني الشرُّ الذي يطرده الغناء.
هذه الليلة باردة، مثل مشي طفل مفقود في "المول" بعد إغلاقه. المخافر أُغلقت على سجنائها، والناس عادوا إلى بيوتهم، وأحكموا متاريسها على "الأمن الداخلي". أين أذهب، أين يمكن أن يذهب رجل خرج من شاشة التلفزيون، على سبيل الإعارة للحياة، فوجدها جافة كخبز على النافذة لاستدراج الطيور، واستُدْرِجْتُ إلى قاع المدينة، دخلت مركز الأمن، قلتُ للضابط المناوب إنّني خرجتُ للتوّ من "الفيلم"، وكل ما أرجوه ورقة "كف طلب"، لأزاول الحياة!






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :