-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 10-07-2018 09:29 PM     عدد المشاهدات 37    | عدد التعليقات 0

لا تهاجر يا قتيبة!

الهاشمية نيوز - حنان كامل الشيخ


نعم، فمن أقصى النقيض إلى أقصى النقيض سوف تتبدل آراؤك، لو أنك جربت يا قتيبة أن تسافر وحيدا في بلاد لا تتقن إلا لغتها. سوف تسر كثيرا في أيامك الأولى، أسابيعك الأولى "حسبة الأسابيع سوف تتعلمها هناك بالتأكيد!"، شهورك الأولى ربما، لكنك يا صغيري لن تنعم بالسعادة التي هربت بسببها من بلدك، في اللحظة التي سوف ترتفع فيها حرارتك وأنت هناك وحدك؛ لا أم ولا أخ ولا صديق ولا جار تعتمد عليه لكي يناولك حبة دواء وكوب ماء.
لا تهاجر وحدك إن صح التعبير لو كنت مصرا على الهروب من واقعك المتعب في بلد لم يستطع لسنوات أن يحتضن أحلامك، وقبلك آلاف، فاضطره إلى أسهل الأحلام التي راودت يقظة ومنام الشباب، توقا للحرية في التنفس والعيش الكريم.
أهكذا تعتقد يا قتيبة حقا؟ هل تظن فعلا بأن السماء وردية في عالم الغربة مزدانة بقوس قزح، والموسيقى تملأ المكان بالبهجة؟ نعم إنها كذلك يا بني أصدقك القول، لكنها سماؤهم هم وقوس قزحهم هم من يعيش أصلا في تلك البلاد واعتاد على أن يكون جزءا منها جسدا وقلبا وروحا. إنها كذلك أيضا للمغتربين الأقوياء، ممن يملكون بطاقات خصومات القطار والحافلة، فيختارون "الأوبر" من أجل التنقل المريح. الشجعان الذين يصرفون بقلب جامد على فواتير المطاعم الإيطالية واليابانية، وهم يتمتعون بوجبات مخفضة السعر لاعتبارات أسباب تواجدهم في بلاد الغربة.
في الحقيقة إنها ليست بلادا للغربة بالمعنى الحرفي يا قتيبة. فهم يملكون خاصية نقل أوطانهم معهم في الحقائب الجلدية، إن هم أرادوا هذا. وغالبا هم لا يريدون!
أنت يا قتيبة، إن هاجرت وحيدا من رفيق يفهم تماما سبب بكائك، حين تعصف بك الحقيقة المرة في بلاد كنت تظنها ملاذك، فإنك سوف تصاب بالجنون على أقل تقدير. وعلى سيرة التقدير، فإن اكتشافا متأخرا سيكون سببا في بكائك المرير، فمن لا تقدره مدرسته وحيه وجامعته وبلاده، من لا يحظى بحقه في وطنه باحترام وبساطة، من لا يتألم مجتمعه لوجعه وخوفه، فإنه لن يجد أيا من تلك الأمنيات خارج البلاد. وما قصص تقدير العلماء والأدباء والمبدعين والفنانين، إلا الحجر الصغير الذي يلقى كل حين وحين في البرك الراكدة لتثير قضية النبي الذي لا كرامة له في وطنه، أو مثل ورقة يانصيب تكتمل ترتيب أرقامها مرة كل عقد من الزمان ليس للفوز بالجائزة الكبرى غير المأمول بها، بل خسارة الجوائز الصغيرة المفرحة المتوقعة. إنها قصص كانت في ماض جميل كما السينما والروايات والملابس الموردة بالأزهار، أضيفت إلى الصورة الجميلة حين كانت الهجرة أسهل، والوصول إلى منافذ القرار أكثر عدالة.
اليوم يا قتيبة، تعلم الغرب من أين تؤكل الكتف! أصبحوا غير مكترثين بمن يهرب بعيدا عن الظلم وغياب الفرص، لأنهم باختصار صاروا جزءا من تحمل فاتورة الظلم الواقعة عليك وعلى صحبك، وأصبحوا يبحثون هم عن الفرص في اقتناص فرص لالتقاط من هم قادرون على دفع تكاليف الهجرة والسفر.
ابق عندك يا قتيبة إن كنت تظن أن هناك "بدايات" تنتظر المبتدئين!






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع الهاشمية نيوز بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع الهاشمية نيوز علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :