-

كتابنا

تاريخ النشر - 12-10-2021 10:12 AM     عدد المشاهدات 50    | عدد التعليقات 0

انسحاب

الهاشمية - فدوى بهجت خصاونه

الانسحاب من أرض المعركة بأقل الخسائر بطولة تسجل للقائد، والكلام معركة صغرى تتولد منها الحروب، والانسحاب من ميدان تراشق الألفاظ نجاة إلى بر السلام.

ليس عيبا أن نمتدح ونثني على أشخاص نعد مناقبهم وكرم أخلاقهم ونبل رسالتهم، بل إننا عندما نستمع لمن يثني على شخص يزيد احترامنا وحبنا له ونتمنى أن يتهيأ لنا وقت لملاقاته والتعرف إليه.

ولكن ماذا يحدث عندما نستمع لشخص يثني على نفسه ويعد مناقبه؟

ماذا يحدث عندما نقابل أشخاص يمتدحون صفاتنا ويثنون على تصرفاتنا، يقولون عنا ما ليس فينا من مكارم الأخلاق؟

في تلك الأمسية ومع تساقط ورقات التوت حتى تكاد الشجرة تتعرى تماما من آخر ورقة صفراء كنا نجلس على غطاء أصفر، وخشخشة الأوراق تطرق سمعنا كما يطرق السمع حديث جارنا الشاب وهو يرتدي بدلة وربطة عنق ويضع ساقا على ساق وبيده سبحة أذكار، كنا نراه قبل أن يتحدث رجلا وسيما، رجلا راقيا أنيقًا؛ وما إن بدأ حديثه حتى تعرى تماما كما هي حال شجرة التوت التي نستظل أغصانها المكشوفة، تساقطت عنه كل المعاني الجميلة، ولم يعد لديه ورقة واحدة يتغطى بها؛ ذلك أنه بدأ يعدد محاسنه بالقول: أنا إنسان صادق

أنا كريم

أنا لا أقبل بالظلم

أنا لا أترك أذكاري

أنا أتصدق على الفقراء، وأعطي فلانا من زكاة أموالي، وأصل أمي وإخوتي.

الحديث كان مملا كما يقول فولتير: سر الملل أن يقول الشخص كل ما عنده.

وصاحبنا أفرغ كل ما في دلوه أو ثبت أن دلوه فارغ إلا من هواء؛ ذلك الحديث مدعاة للانسحاب ومغادرة الجلسة.

وفي اليوم الثاني وفي جلسة بنفس المكان كان الحديث مختلفا مع شخص آخر أخذ يمتدحني، جعل مني رسول، أسقط علي صفات لم أسمعها من قبل، كل ذلك جعلني أشعر بالخجل، حاولت إسكاته تمنيت لو أنني أتمكن من خياطة فمه حتى لا يتحدث بأكثر مما تحدث به؛ كلماته كالصفعات المتتالية ومن قال: إن المديح بالوجه ليس ذما؟

بل أنه أشد وقعا على نفس الكريم من بذاءة اللفظ والسب والتحقير، بل وانه تحقير وتكسير لكل معنى تحمله النفس النبيلة، المديح في الوجه يجعل الممدوح عاجزًا عن الرد ليأخذ بالألفاظ عكس ما احتملت معانيها؛ فالقول: أنت كريم فذلك تأكيد أنني بخيل؛ وفي ذلك ورد عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: لو مشى رجل إلى رجل بالسيف خير من أن يمتدحه في وجهه.

وإذا رأيتم المداحين فحثوا في وجوههم التراب.

مديح صديقي أشعرني بالنعاس حتى انسحبت سريعا.

وفي اليوم الثالث وقد سقطت آخر ورقة من ورقات التوت وطارت مع ريشة خفيفة، حل علينا عدد من الضيوف بدأ أحدهم بعتابي ولومي على أمور لا علاقة لي بها لقد استفزني هذا الشخص وتسبب لي بضغوط؛ فهو يتصيد أخطائي وكأنه يصطاد سمكة في وادي وكأنه يحمل عدسة مكبرة تضخم عثراتي، يريد تعريتي وكشف أسراري، يريد أن يظهر عيوبي أمام الجميع؛ يقول أحد الأدباء: افعل ما هو صحيح، ثم أدر ظهرك لكل قول سخيف، الأمر الذي استدعى ترك الجلسة والانسحاب فورا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :