-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 19-05-2020 11:36 AM     عدد المشاهدات 135    | عدد التعليقات 0

عاداتنا الاجتماعية ما بعد زمن كورونا

الهاشمية -
د. محمد طالب عبيدات

الفايروس المُرعب كورونا الذي ما زال يهدّد كل العالم والمجتمعات؛ والذي قاومته وحاربته كل الدول بكامل طاقاتها وأدواتها؛ ونجحت الدولة الأردنية والحمد لله بمقاومته؛ والذي ندعو الله مخلصين أن يُنهي تهديده للإنسانية جمعاء، رغم كل ما فتك بالإنسانية من خوف ومرض ووفيات إلّا أن آثاره الاجتماعية كان لها السلبُ والإيجاب في كثير من القضايا؛ فقد أعادنا إلى الضرورات في كل شيء سواء بالمناسبات أو صلة الأرحام أو التواصل أو العادات والتقاليد أو حتى الأفراح والأتراح؛ فكل شيء يتم عن بُعد وباستخدام الهواتف الخليوية دونما زمان أو مكان مطلوبين للمشاركة بالمناسبات؛ ولذلك كثيرون يطالبون بتغيير بعض مواد وتفصيلات عاداتنا الاجتماعية بعد زمن كورونا لتبقى عليه كما في زمن كورونا؛ من حيث حضور المقرّبين جداً المناسبات وكذلك العديد من الإجراءات والمناسبات والتي يتوجّب تغييرها.

ربما كان زمن كورونا -رغم الحذر والخوف الشديدين- كان قد أعادنا لأصول العادات الاجتماعية التي بالغ البعض بها كثيراً وخصوصاً في مسائل الوقت والمكان والمال والشخوص والأحداث وكثير من القضايا الأخرى في مناسبات الأفراح والأتراح؛ فالأصل عدم المبالغة في ذلك والاقتصار على زمرة المقربين جداً في كل المناسبات.

نحلم بأن نرى مناسبات أتراحنا مقتصرة على المقربين جداً؛ ويتم دفن الأموات رحمهم الله تعالى من خلال المقربين وحضور العِزوة والأحباب والأصدقاء والجيران ويقتصر العزاء بالسلام والمواساة على المقبرة؛ فوفقاً للشريعة إكرام الميت دفنه؛ والعزاء للبعيدين يتم عن طريق الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي حفاطاً على وقت الجميع؛ ونحلم أن لا نكلّف أهل الأموات مصاريف إضافية في تحضير الولائم واستقبال المعزين لثلاثة أيام كاملة حفاظاً على أوقات الناس جميعاً ولننتقل لمجتمع الإنتاجية والعطاء؛ وفي ذلك درء لكرامات الناس العفيفة من أهل الأموات والذين بات العزاء عليهم عبئاً ثقيلاً؛ ولنتغيّر من حيث استغلال التكنولوجيا في زمن الألفية الثالثة؛ ونحلم أيضاً بأن تقتصر أفراحنا أيضاً على المقربين من الدرجة الأولى والثانية؛ لتكون أفراحاً نوعية وذات خصوصية دونما إزعاج أو تكاليف أو حتى إحراج للآخرين؛ ودونما بهرجات أو زيادات عن الحد؛ ونحلم بأن نتخلّص حتى من عادات التقبيل والأخذ بالأحضان الزائد عن اللزوم والذي يأتي أحياناً من الشفاه دونما القلوب عند البعض؛ ونكتفي بالسلام بالإيماء من بعيد؛ لأن في ذلك درء للأمراض والفايروسات والبكتيريا والميكروبات وأي عوارض لا سمح الله تعالى.

كما نحلم بأن نخفف من التجمعات الأخرى أنّى كان نوعها لغايات أي مناسبة اجتماعية حفاظاً على صحة وسلامة الناس وأوقاتهم ومالهم وجهدهم؛ وبالطبع هذا لا يعني عدم المشاركة الاجتماعية بل تقنينها وترشيدها والاكتفاء بمن حضر وشارك والمقربين وربما نستخدم أدوات التكنولوجيا العصرية كالهواتف الخليوية وأدوات التواصل الاجتماعي عن بُعد دونما غلو في ذلك؛ ونحلم بأن نؤطّر بمواثيق شرف كل المناسبات الاجتماعية والالتزام بها لغايات أن يكون عصر ما بعد كورونا حافزاً للجميع للاهتمام بالمقرّبين أكثر ولتكون الأسرة هي محور الحياة وليس العكس.

نتطلّع ليصرف الناس أوقاتهم جلها في إخلاصهم بعملهم وإنتاجيتهم وروحية عطائهم من جهة وبأسرهم وتربية أبناءهم وبناء القيم الإيجابية وتقديمهم للحياة كنماذج ناجحة من جهة أخرى؛ ليكون الجميع فاعلين في إنتاجيتهم وتربيتهم ومستقبلهم؛ ويكون أي شيء بين الجهتين ثانوياً وليس ضرورة.

مطلوب أن نفكّر فيما سبق من أفكار وبالطبع التغيير لا يمكن أن يتم في كبسة زر أو قرار حكومي؛ لكنه يحتاج لإرادة التغيير وتغييرات جذرية من داخل كل واحد فينا في الثقافة المجتمعية والعادات والتقاليد برمّتها رويداً رويداً لما يتناسب مع مجتمعاتنا وتطورات هذا الزمان.

وأخيراً؛ الاجتماعيات والنُظم الاجتماعية بعد زمن كورونا حتماً ستشهد تغييرات جذرية كنتيجة الدروس المستفادة في زمن كورونا؛ ولذلك فمناسباتنا وطبيعتها الاجتماعية سيطالها التغيير اليوم أم الغد؛ وعلينا أن نأخذ كل الأبعاد والدروس المستفادة من زمن كورونا بعين الاعتبار وبالتدريج لنأخذ المفيد ونعمل به!

- وزير الأشغال العامة والإسكان الأسبق- رئيس جامعة جدارا






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :